10 Νοεμβρίου, 2020

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الاحترام في كاتدرائية القديس جاورجيوس وسط بيروت

Διαδώστε:
عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الاحترام في كاتدرائية القديس جاورجيوس وسط بيروت لنهار الأحد ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٠:
بِاسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدس، آمين.
أَحِبَّائي، هَـــذا الأُسبوع حافـلٌ بالأعـياد، أوَّلُها الـيَـومَ مَعَ رَئيسَيِّ المَلائِــكَـةِ ميخائيل وجبرائيل وسائـرِ رؤساءِ المَلائِــكَـةِ والـقُــوَّاتِ المَلائِـكِـيَّـة، وغَــدًا نُـعَـيِّـدُ لِلـقــدِّيسِ نِكتاريوس العَجائِبيّ أُسقُــفِ المُدُنِ الخَمس، وبعــدَ غد نـُـقـيمُ تَـذكارَ الرَّسولِ كوارتُس، أَحَـدِ الـرُّسُلِ السَّبعين، مُـؤَسِّسِ كَـنيسَةِ بَيروتَ، وأَوَّلِ أُسقُـفٍ عَلَيها.
تَجـتَمِعُ في هَـذِهِ الأَعيادِ الثَّلاثَةِ أَهَــمُّ صِفاتِ المَسيحِيِّ الحَـقـيقيّ: المحبةُ والتواضعُ وتمجيدُ الله. وَظيفَةُ المَلائِـكَةِ الأساسيَّةُ هِيَ النَّظَرُ إلى العَـرشِ الإلَهِيِّ وترنيمُ تسبِحَةِ الظَّـفَـرِ المُـثَــلَّـثَةِ الـتَّـقـديس: «قُــدّوسٌ، قُــدُّوسٌ، قُــدُّوسٌ رَبُّ الصَّباؤوت». نَسمَعُ في الـقُــدَّاسِ الإِلَهِيّ نَصًّا يُخاطِبُنا لِكَي نُشابِهَ المَلائِكَةَ بِالتَّسبيح: «أَيُّها المُمَثِّــلونَ الشِّيروبيم سِرِّيًّا، والمُرَنِّمونَ التَّسبيحَ المُثَلَّثَ تَقديسُهُ لِلثَّالوثِ المُحيي، لِنَطرَحْ عَنَّا كُلَّ اهتِمامٍ دُنيَوِيٍّ كَونَنا مُزمِعينَ أَن نَستَـقـبِلَ مَلِـكَ الكُلّ، تَحتَـفُّ حَولَهُ مَراتِبُ المَلائِكَةِ بِحالٍ غَـيـرِ مَنظور». يحثّنا كاتبُ القداسِ الإلهي على أَلَّا نَهتَمَّ بِشَيءٍ أَرضِيٍّ زائِلٍ، وأن نَـكــتَـــفي بِالـنَّظَرِ إلى الـرَّبِّ والتَّحَدُّثِ مَعَهُ بِلُغَةِ المَلَكوت، أَي بِالصَّلاةِ والتَّسابيح، وهُوَ يُمَجِّـدُنا.
سَمِعـنا في رِسالَةِ اليَوم: «ما الإِنسانُ حَتَّى تَذكُـرَهُ، أَوِ ابنُ الإِنسانِ حَتَّى تَــفــتَــقِــدَهُ؟ نَــقَّـصتَهُ عَنِ المَلائِكَةِ قَـليلًا، بِالمَجدِ والكَرامَةِ كَـلَّــلتَهُ وأَقَـمتَهُ على أَعمالِ يَدَيك، أَخضَعتَ كلَّ شَيءٍ تَحتَ قَدَمَيه؛ فَــفِـي إِخضاعِهِ لَهُ كُـلَّ شَيءٍ لَم يَترُك شَيئًا غَــيرَ خاضِعٍ لَهُ». الإِنسانُ الَّذي هُــوَ أَنقَـصُ مِنَ المَلائِكَةِ قَـليلًا، كَونَهُ مَجـبولاً مِـنْ مادَّةٍ زائِـلَة، مِـنَ الطِّين، جَعَلَهُ اللهُ سَـيِّـدًا عَـلى كُـلِّ شَيء، إِلَّا أَنَّهُ خَسِرَ هَــذِهِ السُّلطَةَ بِسُقـوطِهِ في الخَطيئَة، ومَعَ ذَلِـكَ عادَ اللهُ الآبُ فَأَرسَلَ ابنَهُ الوَحيدَ لِيُعـيـدَ الكَرامَةَ للإِنسانِ، فَـتَـجَـسَّـدَ وخَضَعَ لِلآلام. يُتابِعُ الـرَّسولُ بولُس: «إِلَّا أَنَّـنا الآنَ لَسنا نَرى بَعـدُ كُـلَّ شَيءٍ مُخـضَعًا لَهُ (لِلإنسان)، وإِنَّـما نَرى الَّذي نُـقِّــصَ عَـنِ المَلائِكَةِ قَليلًا (بأَخذِهِ جَسَدًا مادِّيًّا)، يَسوعَ، مُـكَـلَّـلًا بِالمَجدِ والكَـرامَةِ لأَجـلِ أَلَـمِ المَـوت، لِكَي يَـذوقَ المَوتَ بِـنِـعـمَةِ اللهِ مِن أَجـلِ الجَميع». هـذا، المَجدُ الَّذي نالَهُ البَـشَرُ بِـتَـجَسُّدِ المَسيحِ الخَلاصِيِّ ومَـوتِهِ وقِيامَتِهِ البَهِـيَّة، لَـمْ تَحصُلِ المَلائِكَـةُ على مِثلِه، ما يـؤكدُ عِـظَـمَ مَـحَـبَّة اللهِ لنا. هذا يَجعَـلُنا نَشعُـرُ بِالـتَّـمَــيُّــزِ، لَكِـن بِتَــوَاضُعٍ طَبعًا، لأَنَّ هَـذا الـتَّـمَـيُّـزَ يُحَـمِّـلُنا مَسؤولِيَّةً عُـظمى، الأَمرُ الَّذي يُـؤَكِّـدُ عَلَيهِ ما نَسمَعُهُ في الـقُــدَّاسِ الإِلَهِيّ: «نَشكُـرُكَ أَيضًا مِن أَجـلِ هَــذِهِ الخِدمَةِ الَّتي ارتَضَيتَ أَن تَــتَــقَــبَّــلَها مِن أَيدينا، مَعَ أَنَّهُ قَــدْ وَقَــفَ لَـدَيكَ أُلـوفٌ مِن رُؤَساءِ المَلائِكَةِ، والشِّيروبيمُ الكَـثـيـرُو العُـيون، والسِّيـرافيمُ ذَوو السِّتَّةِ الأَجنِحَةِ، مُـتَعالينَ ومُجَـنَّحـينَ». لَـقَـد تَــقَــبَّــلَ الـرَّبُّ تَـقـدِمَـتَـنا، مَعَ أَنَّـهُ لا يَحتاجُها بِـوُجودِ «ذَبيحَةِ التَّسبيح» الَّتي تُــقَـدِّمُها لَهُ مَلائِكَـتُهُ بِلا فُـتور. مَعَ ذَلِـكَ، نَعـودُ ونَسقُـطُ في الخَطايا، مُـفَـضِّلينَ إِيَّـاها على اتِّباعِ وَصايا الرَّبّ، فـيما المَلائِـكَـةُ يُـنَــفِّــذونَ أَوامِـرَ اللهِ بِلا تَـرَدُّد. يَقـولُ كاتِبُ المَزامير: «الصَّانِعُ مَلائـِكَـتَهُ أَرواحًا وخُـدَّامَهُ لَهـيبَ نار» (مز 104: 4)، أَمَّا نَحنُ فَـنُـريدُ مُجادَلَةَ الـرَّبِّ في كُـلِّ ما يَشاؤُهُ مِن أَجلِ خَلاصِنا.
كَـلِمَةُ «ملاك» تَعـني «المُرسَل»، وكُـلُّ مَسيحِيٍّ مُرسَلٌ على الأرضِ لِـيَـنقُـلَ البُشرى السَّارَّة إلى إِخوَتِهِ. هـذا ما قامَ بِهِ الــقِـــدِّيـسُ نِكتاريوس والـرَّسولُ كوارتُس، كُــلٌّ مِنهُـما بِطَريـقَـتِهِ، تَجمَعُهُما ميزَتانِ، هُــما الـتَّـواضُعُ والصَّبر. فالــقِــدِّيسُ نِكتارِيوس ظُلِمَ وَاضطُهِدَ وقاسى أَلَـمَ الشَّائِعاتِ الَّـتي حِيكَـتْ ضِدَّهُ، مَعَ ذَلِـكَ لَـمْ يَـفـتَحْ فَـمَـه، مُـتَـمَـثِّـلًا بِسَـيِّـدِهِ الَّـذي وَصَفَهُ إِشَعياءُ النَّبِيُّ بِقَـولِهِ: «ظُـلِمَ وهوَ خاضِـعٌ وما فَتَحَ فمَهُ. كانَ كنعجةٍ تُساقُ إلى الذبحِ، وكخروفٍ صامتٍ أمامَ الذينَ يجزّونَهُ لم يفتَحْ فمَهُ» (53: 7). هَــذِهِ إِحدى ميزاتِ المَسيحِيِّ الأَساسِيَّة، لأَنَّ الظُّلمَ إِذا جُـوبِهَ بِظُـلمٍ مِثـلَهُ، أَتَـتِ النَّـتـائِجُ كارِثـِيَّـةً، تَمامًا مِـثـلَما يَـحـدُثُ حَـولَنا في عالَمِ اليَوم. الأُسبوعُ الماضي تَـعَــرَّضَ كاهِـنٌ أُرثوذُكسِيٌّ لإِطلاقِ نارٍ، وهو بعـيدٌ عن أَسبابِ الـنِّـزاعاتِ الأَخيرَة، تِلـكَ النِّـزاعات الَّتي أَيـقَـظَـتِ العَصَبِـيَّـاتِ الدينيةَ في العالَمِ أَجمَع. إنَّ ما حَدَثَ مَعَ الكاهِــنِ، أَو في الكَنائِسِ الأُخـرى حَـولَ العالَم، جُوبِهَ بِالصَّلاةِ والتَّسبيحِ، ولَيسَ بِإِراقَةِ الدِّماء. ونَحـنُ نَرفَـعُ الصَّلاةَ مِن أَجـلِ كُــلِّ مَــنْ سَـقَــطَ ضَحِيَّةً لِلعَصَبِيَّاتِ، لِكَي أَنَّ الـرَّبَّ يُـريـحَ نُـفــوسَ مَـنِ انـتَــقَـلَ مِنهُم إِلى الأخـدارِ السَّماوِيَّة، ويُـضَـمِّـدَ جِـراحَ مَن نَجا. مِن هُـنا نَــفـهَمُ رِسالَةَ المَسيحِيِّــيـنَ المَلائِـكِــيَّـةَ، رِسالَةَ المَحَبَّةِ والـفَــرَحِ القِــيامِيّ، لأَنَّ الغَـلَـبَةَ والظَّــفَــرَ يَحصُلانِ بِـهَــذِهِ الرِّسالَةِ فَــقَــط، لا بِالعُـنفِ الَّـذي قَـد يَـنجَـرُّ إِلَيهِ البَعـضُ. أَلَم يُعَـلِّمِ المَسيحُ تِلميذَهُ الَّذي قَـطَعَ أُذنَ عَـبدِ رَئيسِ الكَهَـنَةِ في بُستانِ الزَّيتون قائلًا: «رُدَّ سَيفَـكَ إِلى مَكانِهِ، لأَنَّ كُـلَّ الَّـذينَ يَأخُـذونَ السَّيـفَ، بِالسَّيفِ يَهـلِكون» (مت 26: 52)؟
الـقِــدِّيـسُ نِكـتاريوس مِثالٌ مُعاصِرٌ لِـكُـلِّ المَسيحِيِّـينَ الَّـذينَ يَـظُــنُّـونَ أَنَّ عَلَـيهِم أَنْ يَـنـتَــقِـموا لأَنـفُسِهِم مِن أَجـلِ رَدِّ الاعـتِبارِ إلى المَسيحِيَّة، أَو مِن أَجـلِ تَـقــويمِ عَـمَـلِ الآخرين. لَو كانَ فِـكـرُ القِدِّيسِ نِكتارِيوس هَــكَـذا لَما وَصَلَ إلى مُبتَغاه أو إلى هَـدَفِ المَسيحيَّةِ الأَسمى، أَيِ الـتَّــأَلُّـه. نُـرَتِّــلُ لِـرُؤَساءِ الكَهَنَةِ القدّيسين، كالـقـدّيسِ نيـقـولاوس والـقـدّيسِ نِكتاريوس قائلين: «لأَنَّــكَ أَحرَزتَ بِالـتَّــواضُعِ الـرِّفـعَة، وبِالمَسكَـنَـةِ الغـِنى». القِـدِّيسونَ هُــمُ الَّـذينَ ساروا على خُـطى الــرَّبّ، بِصَبـرِهِ على الآلامِ، فَـنالوا القِــيامَةَ والحَياةَ الأَبَـدِيَّــةَ، ونَحـنُ مَدعُــوُّونَ لِـكَي نَـفعَـلَ مِثـلَهُم.
الـرَّسولُ كـوارتُس، مِـثالٌ آخَـرُ يُحـتَــذى به في الحَياةِ الـرُّوحِيَّةِ المَسيحِيَّة. هَــذا الـرَّسولُ الَّــذي يَعـودُ إِلَـيهِ الفَـضلُ في تَأسيسِ كَـنـيسَةِ بَيروت، هو من الرسل السبعين ومَـذكورٌ في رسالةِ الـرَّسولِ بـولُسَ إلى أهــلِ رومية (16: 23). يَصِفُ الرَّسولُ بولُسُ أَخاهُ في الرَّسولِـيَّـةِ كوارتُس بـــ «الأخ»، وهــذهِ العِـبارَةُ، على اقــتِـضابِها، تَحمِـلُ المَعاني الكَـثـيرَة. فالأُخُــوَّةُ المَسيحِـيَّـةُ تَحـمِـلُ في طَـيَّـاتِها المَـحَـبَّـةَ الكامِلَةَ والتضحيةَ التي لا حدودَ لها، على عَــكسِ الأُخُــوَّةِ السِّياسِيَّة الَّـتي أَصبَحَـتْ مُـرادِفَـةً لِـلمَصلَحَة والمـنفـعة. الأَخُ في المَسيحِ يُـبَـلسِمُ الجِـراحَ، ويـأَوي الـغُــرَباء، ويُطعِـمُ الجياعَ، ويَروي العِطاش. رُبَّـما هَــذا ما فَـعَـلَهُ الـرَّسولُ كوارتُس في بَيروتَ الوَثَــنِـيَّـة الَّتي حَضَرَ إِلَيها حامِلًا بُشرى الخَلاصِ السَّارَّة. الوَثَنِيُّونَ لا يَعرِفونَ المَحَبَّةَ، بَل يَسعَونَ وَراءَ إِشباعِ رَغَـباتِـهِم ومَـلَــذَّاتِـهِـم. ربما كانت طَريقَةُ عَـيشِ الرَّسولِ كوارتُس لِلمَحَبَّةِ المَسيحيَّةِ بَينَهُم سَبَبًا لاجـتِـذابِهِم إلى المَسيح واهـتِـدائِهِم. الرَّسولِيَّةُ أَحيانًا هِـيَ عَـمَـلٌ صامِـتٌ، فِعـلُ مَـحَـبَّـةٍ يُدَوِّي أَكـثَـرَ مِنَ الكَلامِ الكَثير. هَــكَـذا، بِجَهلِنا سيرَةَ حَياةِ مُؤَسِّسِ كَنيسَتِـنا في بَيروت، نَـتَـأَكَّـدُ أَنَّ الصَّمـتَ أَبلَغُ مِن كَـثـرَةِ الكَلام، وأَنَّ البِذارَ الَّتي زَرَعَها كانَتْ بَرَكَةُ الرَّبِّ فيها، وها هِيَ مُـثمِـرَةٌ حَـتَّى يَومِـنا هَـذا، وثِـمارُها هُـم أَبناءُ أَبرَشِيَّــتِـنا المَحروسَةِ بِاللَّه الَّذينَ لا يَـزالونَ ثابِتينَ على إيمانِهِم ورَجائِهِم، رَغـمَ كُــلِّ ما حَمَـلَـتْهُ إِلَيهِمِ الأَيَّـامُ الصَّعبَة، ولا تَزال.
أما الأخـوّةُ السياسيةُ التي غالباً ما نسمعُ عـنها فهي مـتـقـلّبةٌ بحسبِ الظروفِ والمصالح. فمن كان أخاً اليومَ أو حليفاً يصبحُ غـداً من ألـدِّ الأعداءِ، وهـذه العداوةُ تنعكسُ سلباً على المحيطِ وعلى الوطن.
مشكلتُـنا في لبنان أنْ لا أحدَ يـثـقُ بالآخرين، لأنّه يخشى أن ينقـلبوا عليه إذا ما تغـيّـرتْ ارتباطاتُهم أو ظروفُهم. أنظروا إلى ما نعيشُه اليوم. حلفاءُ الأمس يتناحرون، وينصبونَ الفخاخَ في وجهِ بعضِهم البعض، وإلاّ ما سرُّ العِـقَــدِ التي تنشأُ فجأةً عندما تـلوحُ حلحلةٌ في موضوعِ الحكومة؟ وهل يَحتملُ البلـدُ هـدراً أكـثـرَ للوقت؟ وهل يحتملُ اللبنانيون تجاهلاً أكبر؟ يبدو أنَّ الفوضى وغيابَ سلطةٍ حاكمةٍ فاعلة، تُسائِلُ وتُحاسِب، يناسبان من يُعشِّشُ الفسادُ في نفوسِهم.
يا أيها السياسيون، ألا يَـصُـمُّ آذانَـــكم أنينُ اللبنانيين؟ ألاّ يُــعـذّبُ ضمائـرَكم مشهدُ العاصمةِ المدمَّـرة وأهلِها الحزانى المشرَّدين والمستَـضــْعَــفـين؟ الوقـتُ لا يمكنُ استعادتُه، وقد أوشك على النفاذِ في معركـتِـنا من أجل التغييرِ والنهوضِ بلبنان. وإن ضاعـتْ الفرصةُ فهي الأخيرةُ كما تـقـولون أنتم. جميعُــكُــم تنادون بالإصلاح. ماذا فعلتم لفرضِه؟ كلُّكم يَـنْعى الحالةَ التي وصلْنا إليها، ماذا فعلتم لتداركِها؟ معظمُكم يشكو من الفساد ويحملُ رايةَ محاربتِه، ما هي الإجراءاتُ التي اتخذتموها؟ الجميعُ يريدُ حكومةً بالأمسِ قبل اليوم. لمَ لا تسهّلون ولادتَها؟ ولِمَ تضعون الشروطَ والعراقـيل؟ كلُّكم تريدون المداورة فلماذا تتمسَّكون بالحقائب التي تديرونها وكأنَّها مُلكٌ لكم أو حقٌّ مُكتَسَب؟ وإذا كنتم تـدّعون خدمةَ الوطنِ والمواطنين إذا تسلّمتم هذه الحـقـيـبةَ الوزاريةَ دون الأخرى، فأنا أقـولُ لكم إنّ الخدمةَ لا تكونُ في مكانٍ دون الآخر، ومن أرادَ الخدمةَ يخدمُ في أي مكان. أما الشعـبُ فيـقـولُ لكم أنتم تخدمون لبنانَ إذا تنحّيتم وفتحتم المجالَ أمام أصحابِ الخبرةِ والاختصاص، لأنه سَئِمَ وعودَكم، ومَـلَّ تجاوزاتِـكم. ألا تدركون أنَّ مصلحةَ الوطنِ والمواطن تأتي قبلَ مصالحِكم؟ إنّ ما يعـيشُه اللبنانيون من وجعٍ وحرمان لا يسمحُ لكم بهذا الدلعِ السياسي غيرِ المـقـبـول حتى في مجاهـلِ الغابات. أهكذا تـــؤَلَّـفُ الحكوماتُ في زمنِ المآسي؟ هل بتصفيةِ الحساباتِ والتعطيلِ حتى نَيْلِ المطالب، أو بالتقاسمِ والتحاصصِ والشروطِ يكون خلاصُ لبنان؟ وما هي حصةُ اللبناني في وليمةِ التقاسمِ هذه؟ هل فكـرتم بالمشرّدين والمحزونين والثكالى والجـياع؟ هل تدخلُ في حساباتِـكم الأوضاعُ الاقتصاديةُ المنهارة، والأوضاعُ الاجتماعيةُ السيئة، وأوضاعُ الطلابِ والمرضى، والعاطلين عن العمل، وكلِّ ذي حاجة؟ أوقـفـوا تدميرَ لبنان بسببِ تعنّــتِــكم وكبريائِــكم وأنانيتِــكم. ألم يكـفِـكم تفجـيـرُ بيروت؟ هل تريدون تفجيرَ لبنانَ بمن فيه؟ دعوا الرحمةَ تدخـلُ قلوبَـكم، وأعلنوا توبتَــكم عن كلِّ الخطايا التي اقـتـرفـتموها بحقِ هذا البلدِ وأبنائه. إنّ عـمراً بكاملِه لن يكـفـيكم لتـتـوبـوا عـن كل أخطائِكم. أنتم اليومَ على قـيـدِ الحياة. هل تعلمون ماذا يخبّئُ لكم الغد؟ في الماضي خاطبتُ ضمائـرَكم ولكن دون جدوى. اليومَ أخاطبُ قلوبَـكم علّها تلين. أنتم تنحَـرون لبنان. ماذا تتركون لأبنائكم ولأحـفـادِكم إن كنتم لا تأبهون للبنانيين؟ ألا تلاحظون الشرخَ الكبيرَ بينكم وبين شعبِـكم؟ لقد فـقـدتم شرعـيتَـــكم يوم نزعَ الشعبُ ثـقـتَـه منكم. أُتركوا هذا الشعـبَ الطيبَ يعيش. إنه يستحقُ الطمأنينةَ والسلامَ والعيشَ الهانئَ الكريم، في دولةٍ عادلةٍ ويـقِــظة، بعد كـلِّ العذاباتِ التي ذاقها، ولسانُ حالِه يـقـول مَـنْ فـجّـرَ منازلَنا وقـتـلَ أولادَنا وشرّدَنا وأفـقـرَنا وجَـوَّعَـنا؟ أين نتيجةُ التحـقـيق ومـن هـو المذنب؟ المواطنُ ما زال خائفاً على حياتِه وأمنِه ومستقـبلِ أبنائه وما زال يترقـبُ أيَّ انفجارٍ أو مصيبةٍ ستحلُّ به بعد، وأنتم تتلهّون بحصَصِكم، غيرَ آبهين لمسؤوليتِكم ولحكمِ اللهِ الآتي عليكم. البلدُ لا يُبنى بالاستئثار واللامبالاة، أو الحـقـدِ والانـتـقـام، أو التدخُّلاتِ والإملاءات، ولا بالتعـويلِ على الخارجِ أو الارتباطِ به. البلدُ يحتاجُ لرجالاتٍ كبار يتحلّون بالحكمةِ والعلمِ والنزاهةِ والتواضعِ والصبرِ والقدرةِ على العملِ الدؤوب النافع، عاملين بأحكامِ الدستور، مترفّعين عن كـلِّ مصلحةٍ إلاّ مصلحةِ الوطن. فمن له أذنان للسمع فليسمعْ.

 

Διαδώστε: