16 Σεπτεμβρίου, 2026

كلمة صاحب السيادة المطران أرسانيوس، متروبوليت النمسا وإكسرخوس الم

Διαδώστε:

كلمة صاحب السيادة المطران أرسانيوس، متروبوليت النمسا وإكسرخوس المجر وأوروبا الوسطى، خلال افتتاح مركز الحوار المسيحي الأرثوذكسي «FANARION» التابع للبطريركية المسكونية، في بودابست، في 5 أيلول 2026.
صاحب القداسة الأب والسيد، أصحاب السعادة ممثلو الدولة، أصحاب السيادة والغبطة رؤساء الأساقفة والأساقفة، أصحاب السعادة السيدات والسادة السفراء، المدعوون الكرام، الإخوة والأبناء الأحباء في الرب،
في هذا اليوم، وبحضور صاحب القداسة الموقر، يُفتتح مدخل إلى فضاء جديد. ويُفتح باب جديد ليُظهر ما كان يتكوّن في صمت طوال زمن طويل. وتنكشف أمامنا حقيقة ملموسة، هي تحويل الذاكرة إلى رجاء، والتاريخ إلى مسؤولية.
إن المشروع الذي يُفتتح اليوم في بودابست لم يولد قبل سنوات قليلة، ولم يبدأ بمخطط معماري، ولا بقرار إداري، أو بقرار حكومي، أو بأعمال الترميم. إن أسس هذا البيت أعمق بكثير، إذ تمتد إلى السنوات التي وصل فيها نور الإنجيل، الآتي أيضا من القسطنطينية، إلى أرض المجريين من خلال الحضور الرسولي للأسقف هيروثيوس، وترسخ في الأديرة والكنائس التي ترددت فيها صلاة الكنيسة الشرقية.
ومنذ ذلك الحين، يربط خيط غير منظور بين نهر الدانوب والبوسفور، وبين أرض المجريين والمدينة الملكية، وبين الشعب المجري والإرث الروحي للقسطنطينية. وهذا الخيط لم ينقطع قط. ونراه في مملكة القديس إسطفان، وفي شخص القديسة بيروشكا، التي أصبحت لاحقا الإمبراطورة البيزنطية إيريني، والتي جمعت في شخصها عالمين، وتقليدين ووطنين: موطنها الأصلي المجر والقسطنطينية، حيث أدت خدمتها الإمبراطورية والروحية.
وبعد قرون، جمع هذا الخيط نفسه العائلات الأرثوذكسية اليونانية التي اختارت المجر وطنا لها. فبنوا الكنائس، وأسّسوا الجماعات، وعملوا، ومارسوا التجارة، وعلّموا، وجمعوا الكتب، ونمّوا الحياة الثقافية، وخدموا الخير العام. وبقوا أوفياء لإيمانهم الأرثوذكسي، وكانوا في الوقت نفسه أبناء أوفياء لوطنهم المجري.
إلى هذه السلسلة الكبيرة من الذاكرة ينتمي سيمون سيناس، المحسن الكبير للأكاديمية المجرية للعلوم ومؤسس جسر السلاسل، وكذلك العالم والمثقف جورج زافيراس، إلى جانب عدد لا يحصى من الأشخاص الذين لم تحفظ كتب التاريخ أسماءهم، لكن أسماءهم لا تزال مكتوبة في ذاكرة الله.
نحن اليوم لا نحمل إلى المجر شيئا غريبا عنها، بل نعيد إلى النور شيئا يشكل، منذ أكثر من ألف عام، جزءا من ذاكرتها الروحية. فالقسطنطينية تلتقي من جديد ببودابست، والقرابة القديمة تستعيد صوتها.
لكن التاريخ لا يكتب في صفحات مضيئة فقط. فقد مرت عقود حرمت فيها جماعاتنا من الكنائس والمؤسسات. وكانت هناك فترات حافظ فيها حضور البطريركية المسكونية في المجر على وجوده في ظروف بالغة البساطة والضيق، وسط الألم والدموع، ولكن دائما بإحساس بالمسؤولية، وفي إطار الوحدة الكنسية والرجاء.
قبل خمسة وعشرين عاما، وجدت جماعتنا في بودابست ملجأ لها في شقة في شارع Váci. هناك نصبنا المائدة المقدسة، وهناك عمّدنا المسيحيين، وهناك صلينا، وهناك رتلنا «المسيح قام». وهناك، داخل بضع غرف، ثبت مرة أخرى أن الكنيسة لا تولد من ضخامة المباني، بل من اجتماع الأشخاص حول جسد المسيح ودمه.
وفي ذلك المكان الصغير، نمت جماعة تعلم فيها المجريون واليونانيون والأوكرانيون والرومانيون والعرب والجورجيون وأشخاص من قوميات أخرى كثيرة أن يقولوا معا صلاة «أبانا» نفسها، حتى وإن كانوا ينطقون بها بلغات مختلفة.
هذه صورة صغيرة من العنصرة: لغات كثيرة، لكن إيمان واحد؛ شعوب كثيرة، لكن كأس واحد؛ وجوه كثيرة، لكن جسد واحد للمسيح.
تحولت الشقة تدريجيا إلى كنيسة صغيرة، وتحولت الكنيسة الصغيرة إلى جماعة، وأنجبت الجماعة خدمات كنسية وإنسانية.
واليوم نخدم جماعات تتحدث لغات مختلفة، ونحافظ على التراث الثقافي الأرثوذكسي في المجر، ونحمي الأعمال الفنية، ونعلم، وننشر الكتب، ونساعد المحتاجين، ونستقبل أولئك الذين اقتلعتهم الحرب من بيوتهم، محاولين أن نقدم لهم ليس فقط المأوى، بل أيضا اليقين بأنهم ليسوا وحدهم.
لكن، في مرحلة ما، أصبح واضحا أن الغرف القليلة لم تعد تكفي. كنا بحاجة إلى بيت، وقد منحتنا عناية الله ما هو أكثر من ذلك. فقد أتاحت لنا أن نمتلك مكانا واسعا وحديثا للقاء.
وقد أطلق على المركز المسيحي الأرثوذكسي للحوار اسم FANARION.
وكلمة «فاناريون» تعني نورا صغيرا، أو سراجا صغيرا. وفي هذه الحالة، ليست مجرد تسمية، بل هي رمز وذاكرة وشهادة إيمان.
إنها تعكس ذلك الفانار المتواضع في القسطنطينية، الذي لا يمتلك البهاء الدنيوي الذي كان له في العصور الإمبراطورية، لكنه يحافظ على شيء أكثر قيمة: سراج الشهادة الذي لا ينطفئ.
الفانار ليس مجرد مكان، بل هو أيضا أسلوب في الوجود الكنسي. إنه ذاكرة الصليب والقيامة، وشهادة كنيسة رأت إمبراطوريات تنهض وتغيب، وحدودا تتحرك، وشعوبا تمر، ومع ذلك بقيت هناك، لا بقوة السلاح، بل بقوة الإيمان والذاكرة والصلاة والخدمة.
كانت القسطنطينية على مدى قرون ملتقى طرق للشعوب والثقافات، وقد تعلمت كنيسة المسيح العظمى من تاريخها أن حماية الحقيقة لا تحتاج إلى أسوار، بل إلى شهود.
وسيكون FANARION في بودابست انعكاسا صغيرا لهذا التقليد؛ نورا صغيرا من الفانار، وسراجا من المدينة، وجسرا من البوسفور إلى الدانوب. وهو لا يهدف إلى نقل شيء غريب إلى المجر، بل إلى إعادة إحياء علاقة سبق للتاريخ أن قدسها.
لن يتحول FANARION إلى حصن، ولا إلى مكان للانغلاق والتحصن. بل نرغب ونرجو أن يكون بيتا مفتوحا. وفي قلبه يقوم المعبد المقدس البديع. فبالنسبة إلى الكنيسة، المركز هو شخص، هو المسيح. وكل شيء يبدأ من اللقاء معه: من الإفخارستيا الإلهية، ومن الصلاة، ومن سر الشركة. ومن هذا المركز تنفتح أيضا جميع الأبواب الأخرى: نحو الأكاديمية الأرثوذكسية، واللاهوت، والتاريخ، والموسيقى البيزنطية، والفن، والبحث، والمعارض والمؤتمرات؛ وكذلك نحو مائدة للضيافة، ومكان للحوار واللقاء مع الآخر.
نحن نؤمن بأن الحقيقة لا تخشى اللقاء. فالحوار لا يعني إنكار هويتنا. بل على العكس، وحده من يعرف أين تتجذر جذوره يستطيع أن يفتح ذراعيه حقا للآخر.
وفي أوروبا التي تعرف من جديد مأساة الحرب، والتي كثيرا ما تسمع ضجيج الصراع أكثر مما تسمع صوت الأخ، تُدعى الكنيسة إلى التذكير بفن منسي: فن اللقاء حول المائدة نفسها.
واليوم، نعد مائدة للشرق والغرب، للأرثوذكس وغيرهم من المسيحيين، للمؤمنين وللباحثين عن الحقيقة، للعلماء والفنانين، للمجريين والأجانب. وليس بهدف إلغاء اختلافاتنا، بل لتحويل الاختلاف من سبب للخوف إلى إمكانية للقاء.
وليس من قبيل المصادفة أن يولد هذا البيت في بودابست. فالمجر تقع في مكان لم يكن فيه الشرق والغرب يوما مجرد مفهومين جغرافيين مجردين، إذ التقيا هنا، وتحاورا، وتصادما أحيانا، لكنهما تعلما هنا أيضا كيف يتعايشان.
إن الذاكرة المسيحية للمجر تحمل في داخلها روما والقسطنطينية، والغرب والشرق. ولعل هذه هي الدعوة الخاصة للمجر اليوم: ألا تكون حدودا بين عالمين، بل جسرا للقاء بينهما. ويريد FANARION أن يخدم هذه الدعوة تحديدا.
كل هذا ما كان ليصبح ممكنا من دون مساعدة كثيرين. فخلف هذا اليوم سنوات طويلة من التحضيرات، وما يقارب عقدا من العمل الدؤوب.
وكان لا بد من إعادة إحياء مبنى تاريخي كان في حالة خطرة على حياة الإنسان نفسها. وقد قدم المهندسون المعماريون، والمهندسون، والمرممون، والفنانون، والحرفيون، وخبراء الآثار والمباني التاريخية، والمحامون، والمتعاونون الإداريون والاقتصاديون، معارفهم ووقتهم وجهدهم وقلبهم.
إذ نستذكر اليوم المسيرة الطويلة بأكملها وصولا إلى إنجاز هذا العمل، وقبل أن نشكر جميع الذين أسهموا في الوصول إلى هذه النتيجة الجميلة، نرفع التسبيح والتمجيد والشكر إلى الله الثالوث الكلي الصلاح.
ففي صلاحه الذي لا يوصف وطول أناته، أشفق على ضعفاتنا، وسمع ويسمع صرختنا المزمورية: «ارحمني يا رب، لأني ضعيف». وهو، إذ يتجاوز عن زلاتنا، أغدق ويغدق على النفوس والأعمال نعمته الإلهية، التي تشفي دائما الضعفات وتكمل ما هو ناقص.
وبشفاعة والدة الإله الفائقة القداسة، ورؤساء الكهنة القديسين وجميع القديسين، فلنواصل داخل هذا البيت الشعور يوميا بأن رحمته تحيط بنا، ولنمجدنه، ولنعمل بحسب مشيئته المقدسة، بصلوات أبينا صاحب القداسة والبطريرك المسكوني.
صاحب القداسة الأب والسيد، علينا اليوم أن نؤدي أمامكم دينا من القلب. فمنذ اللحظة الأولى التي كان فيها هذا العمل لا يزال مجرد فكرة، ورغبة ورجاء، أحاطه صاحب القداسة بحبه الأبوي. آمنتم بهذه الرؤية، وباركتموها، ووضعتموها تحت حماية صلاتكم، قبل وقت طويل من أن يكون لها جدران وأبواب وسقف.
واليوم نعلم أن في أساساته، إلى جانب المواد والجهد البشري، توجد البركة الأبوية للبطريرك المسكوني، التي رافقته بصمت طوال مسيرته.
ولهذا الأمر معنى أعمق بالنسبة إلينا جميعا. فالبطريرك المسكوني هو وريث تقليد تاريخي عظيم، ورئيس كنيسة القسطنطينية الأم. وهو في وعي المؤمنين أيضا حامل للذاكرة وخادم للوحدة.
وفي شخص البطريرك تختصر قصة قرون طويلة، ارتوت بدم الشهداء، وحكمة الآباء، وإرث المجامع المسكونية، وصلاة كنيسة المسيح العظمى وصبرها.
إن الأولوية في الكنيسة لا تُفهم بوصفها سلطة دنيوية، بل بوصفها خدمة للجمع، والمسؤولية، والمحبة الباذلة.
كما أن حضور البطريرك المسكوني يحمل في الوقت نفسه تذكيرا إسخاتولوجيا أعمق: فالكنيسة لا تحيا من الذاكرة التاريخية وحدها، بل تتجه نحو الواحد، ذاك الذي يأتي.
كل اجتماع للكنيسة، وكل مائدة إفخارستية، وكل شركة حقيقية بين الأشخاص، تستبق الاجتماع الأخير في الملكوت، حين يكون الله «الكل في الكل».
وبصفته رئيس الاجتماع وحارسا للوحدة، يذكرنا البطريرك المسكوني بأن الكنيسة وتقليدها المقدس يقودان إلى انتظار الأزمنة الأخيرة، إذ تنفتح الذاكرة على المستقبل، وتصبح الوحدة تذوقا مسبقا لشركة الجميع في المسيح.
صاحب القداسة الأب والسيد، إن حضوركم اليوم يشكل تكريما استثنائيا لـ FANARION. وهو بالنسبة إلينا ختم للشركة الكنسية، والبركة الأبوية، والرجاء. نشكركم لأنكم آمنتم بهذا العمل عندما لم يكن مرئيا بعد، وباركتموه قبل أن يكتسب شكلا، وحملتموه في صلاتكم عندما أصبحت مسيرته صعبة ولم تعد القوة البشرية كافية.
اسمحوا لي، صاحب القداسة، أن أذكر هنا بامتنان أيضا أولئك الذين أصبحوا شركاء في خدمة هذه الرؤية.
وبامتنان خاص نتوجه إلى المجر. نشكر الدولة المجرية والشعب المجري النبيل على الدعم السخي والثقة التي أحاطوا بها هذا المشروع. ونحن لا ننظر إلى هذا العطاء على أنه مقابل لخسارة قديمة، ولا تعويضا عنها، بل نتلقاه بوصفه ثقة. ونحن على يقين بأن تقليدا متجذرا في هذه الأرض منذ أكثر من ألف عام لا ينتمي إلى ماضيها فقط، بل يستطيع أيضا أن يسهم في بناء مستقبلها. وهذه الثقة يجب أن نجيب عنها بالخدمة.
واسمحوا لي أن أعبر، بتأثر خاص وامتنان من القلب، عن شكري لصديق وأخ ورفيق درب، وقف منذ اللحظة الأولى إلى جانب هذه الرؤية: الدكتور Zsolt Semjén.
فقد أدرك، بصفته لاهوتيا ومسيحيا مؤمنا، وإنسانا متجذرا بعمق في هويته المجرية، منذ وقت مبكر أن هذا المشروع لا يتعلق بمبنى واحد، ولا بجماعة كنسية واحدة فحسب. لقد رأى أنه يمكن أن يصبح مكانا للقاء، وجسرا بين الذاكرة والمستقبل، ومجالا تستطيع فيه التقاليد الأرثوذكسية والتراث الروحي المجري أن يتحاورا بصورة خلاقة، لما فيه خير المجر، بل وخير الإنسان عموما.
فاللقاء الثقافي الحقيقي لا ينتقص من الشعوب، ولا يضعف هويتها، بل يجعلها أكثر نضجا وإثمارا.
وقد فهم الدكتور Semjén أن المجر، لأنها عرفت تحديدا لقاء الشرق والغرب عبر التاريخ، تستطيع اليوم أيضا أن تقدم نموذجا من هذا النوع لأوروبا وللبشرية.
ولهذا فإن دعمكم، أيها الدكتور Semjén العزيز، كان فعلا من أفعال الثقة بقوة اللقاء الروحي والثقافي، وليس مجرد دعم مؤسساتي. وأنتم تؤمنون إيمانا راسخا بأن المجر يمكن أن تستفيد عندما تفتح مساحات تحل فيها الإيمان واللاهوت والتقليد والثقافة والحوار محل التنافس غير العقلاني.
ونحن نرغب في أن يرمز هذا اليوم إلى لقاء جديد بين بودابست والقسطنطينية، وبين الدانوب والبوسفور، وبين الذاكرة المسيحية المجرية والإرث الروحي لكنيسة المسيح العظمى.
نحن لا نعود إلى الماضي، بل نمضي نحو استيعاب خلاّق لذاكرة مشتركة تستطيع أن تولد مستقبلا مفعما بالرجاء. ومن أجل إيمانكم بهذا الهدف، ومن أجل رفقة الطريق، ومن أجل ثقتكم منذ الساعة الأولى، أشكركم من القلب.
وأوجه تحية تقدير إلى نيافة الأسقف بايسيوس، أسقف أباميا، الذي خدم، بمحبة وطاعة وتواضع وأمانة، المراحل المختلفة لهذا المشروع. لقد كان حاضرا في اللحظات السهلة والصعبة، بهدوء وثبات، من دون أن يطلب شيئا لنفسه. وإن خدمته المتواضعة في أعين الناس مقبولة كالبخور الطيب الرائحة أمام الله، «الذي يرى في الخفاء».
وأشكر أيضا نيافة الأسقف مكسيموس، أسقف أريستس، على عطائه الوفي والمتفاني في تقديم خدماته الثمينة إلى جانب تواضعي. لقد أمضى ساعات لا تنتهي من الصبر والصمت والصلاة طوال فترة الأعمال. وكانت حضوره يتسم بهدوء النفس، والتمييز، والمثابرة حتى إيجاد الحلول المناسبة وتجنب التعقيدات.
وكما هو معروف، هناك خدمات لا تكتب في المحاضر ولا تظهر في الصور، لكنها تكتب في قلب الأسقف وفي كتاب الله.
وفي إطار العطاء غير الأناني من أجل إنجاز هذا العمل، أجد لزاما علي أن أذكر، بتأثر، جهود راهبة، التي يعرفها الله بصورة أكمل. وبفضل ما تمتلكه من معرفة علمية وتقنية وإتقانها لعدة لغات، أبدت طاعة، وكرست ساعات طويلة للبحث عن مشيئة الله في أماكن لا تمت بصلة إلى الهدوء النسكي.
لقد عاشت سنوات عديدة وسط المخططات والمفاوضات والصعوبات التقنية والنقاشات التي لا تنتهي، والبحث المستمر عن أفضل الحلول لضمان حسن أداء هذا البيت وحمايته. وبالتدريج أصبحت تكاد تكون جزءا من المبنى، تعرف كل زاوية فيه، وكل جرح فيه، وكل حاجة من حاجاته.
وكان عليها أن تحميه من الأخطاء والإغفالات والمطبات، ووقفت بيقظة مقدسة كحارس على الأسوار، حاملة سيف التمييز والمسؤولية.
فليتقبل الله عطاءها كقربان كامل، وليقدس أتعابها، ويجازها عن محبتها بمئة ضعف من محبته.
أشكر كهنة كنيستنا الذين احتضنوا، بالكثير من الصلاة والثقة، رؤية أسقفهم قبل أن يكون لها أي شكل. لقد تعبوا، وانتظروا بصبر حتى تظهر إجابة الله. وحولوا الرؤية الشخصية إلى صلاة مشتركة ومسؤولية مشتركة، مثبتين جوهر الشركة الكنسية.
وأشكر من القلب شعبنا المؤمن، أولئك الذين آمنوا بأن للكنيسة الأرثوذكسية في المجر تاريخا يمنحها مستقبلا. لقد أدركوا أن هذا التاريخ ليس بقايا متحفية، بل وديعة حية تطلب أن تتحول إلى صلاة، وتربية، وثقافة، وخدمة وشهادة للأجيال القادمة.
ولا يمكننا اليوم أن ننسى أولئك الذين تعبوا من أجل هذا العمل ولم يدركوا المشاركة في فرح هذا اليوم؛ لقد صلوا، وتعبوا، وقدموا، وحلموا، لكنهم رحلوا إلى الرب قبل أن تفتح أبواب هذا البيت.
فالكنيسة لا تعتبرهم غائبين. إنها تذكرهم أمام الله، وتؤمن بأن الذين تعبوا في الإيمان لا يفقدون ثمرة خدمتهم.
فليكن ذكرهم مؤبدا، وليهبهم الرب الحياة الأبدية في نور وجهه.
واسمحوا لي أيضا أن أعبر عن الامتنان العميق والصادق لكنيستنا المحلية تجاه جميعكم، أنتم الذين توجدون هنا اليوم وتشاركون في فرح هذا اليوم المقدس. إن حضوركم مشاركة تكريمية، وعلامة على شركة المحبة والمؤازرة. وأنتم تقدمون شهادة عملية بأن الفرح الحقيقي للكنيسة لا يبقى محصورا داخل حدودها، بل يمسنا جميعا.
ونشكر بصورة خاصة رؤساء الأساقفة والأساقفة القديسين، إخوتنا وشركاءنا في الخدمة الإلهية، ونتطلع إلى بركاتهم وصلواتهم، لكي يبقى هذا البيت دائما متجذرا في الشركة الإفخارستية، والوعي المجمعي، ووحدة الكنيسة.
ونشكر ممثلي الدولة ومؤسساتها على دعمهم وثقتهم؛ ونشكر السلك الدبلوماسي، الذي يذكرنا بحضوره بأن لقاء الشعوب، والتفاهم، والمصالحة، والتعايش السلمي، تبقى أهدافا مقدسة ومسؤوليات واجبة في عصرنا.
ونشكر أيضا جميع المدعوين الكرام، والأصدقاء والمتعاونين، الذين يكرمون بحضورهم فرح كنيستنا المحلية.
ونشكر أخيرا شعب الله المؤمن، القريب والبعيد؛ أولئك الموجودين معنا جسديا اليوم، وكذلك الذين يشاركوننا ذهنيا وروحيا في فرحنا، لأن الكنيسة لا تقيس القرب بالمسافات الجغرافية، بل بشركة الإيمان والصلاة والمحبة.
صاحب القداسة الأب والسيد، اسمحوا لي أن اكرر أن حضوركم اليوم بيننا يضفي على هذا اليوم اهمية كنسية وروحية خاصة. اليوم، الفاناري هنا كحضور حي، وكبركة، وكذاكرة، وكخدمة. وفي شخصكم يرتبط هذا البيت بكنيسة المسيح العظمى، بالقسطنطينية مدينة الشهداء والآباء والمجامع المسكونية؛ بالكنيسة التي تعلمت على مدى قرون أن تحول المحنة الى صلاة، والحرمان الى شهادة، والتجربة التاريخية الى خدمة للعالم.
كلنا نعلم أن العرش المسكوني هو خدمة متواصلة من المسؤولية والتضحية من جانب صاحب الأولوية في الكنيسة، الذي يدعى الى أن يجمع من دون أن يلغي، وأن يحاور من دون أن يخون، وأن يبني الجسور من دون أن يخلط، وأن يشهد للحق «بالمحبة».
هذه الخدمة، يا صاحب القداسة، تؤدونها منذ عقود: من اجل وحدة المسيحيين، ومن اجل السلام، ومن اجل الحوار بين الأديان والثقافات، ومن اجل كرامة الشخص البشري، ومن اجل حماية خليقة الله.
واليوم، يضيف حضوركم بالنسبة الينا معنى اخر. فمن فاناري القسطنطينية، ومن النور الذي يضيء منذ قرون، تأتون لتباركوا FANARION، السراج الجديد في قلب المجر.
نطلب بركتكم الأبوية والبطريركية لكي تجد كلمات الرب طريقها الى التطبيق:
«هكذا فليضئ نوركم قدام الناس، لكي يروا اعمالكم الحسنة ويمجدوا اباكم الذي في السماوات».
باركوا، يا صاحب القداسة، هذا البيت، لكي لا تصبح الصلاة التي سترفع هنا يوما عادة من دون قلب؛ ولكي لا يتحول اللاهوت الى معرفة من دون الله؛ ولكي تقود العلوم الى الحكمة؛ والفن الى تأمل الجمال؛ والتقليد الى بناء الذاكرة الحية؛ والحوار الى لقاء؛ ولكي يقود كل شيء الى الهدف النهائي الواحد: لقاء الانسان بالله، ومن خلال هذا اللقاء، اكتشاف الاخر بوصفه اخا.
منذ الغد، ليت هذا المبنى يمتلئ بالحياة والصلاة والكتب والمعرفة، بالموسيقى والفن، بالاطفال والشباب، بالعلماء ورجال الدين والفنانين والحجاج والغرباء والاصدقاء؛ ولتجر فيه لقاءات انسان بانسان، من الشرق والغرب، بين الذاكرة والمستقبل، وبين الثقافة والايمان؛ ولتولد فيه الاسئلة، وان بارك الله ذلك، فلتعط الاجوبة.
ليكن ربنا يسوع المسيح، «الذي ينير كل انسان اتيا الى العالم»، بشفاعة والدة الاله الفائقة القداسة، مباركا FANARION، والبطريركية المسكونية، وكنيسة المسيح العظمى.
حفظ الله قداستكم سنوات عديدة، لخدمة الكنيسة والعالم.
وليبارك الله شعب المجر وبلادها.
ولينر نور المسيح الجميع.

البطريركية المسكونية باللغة العربية

Διαδώστε: