06 Ιουλίου, 2023

‎خدمة جناز الكهنة راحة نفس الاب الياس المر – بتغرين

Διαδώστε:

يوم الأربعاء الواقع فيه 5 تموز 2023، ترأس راعي الأبرشية خدمة جناز الكهنة لراحة قدس الاب الياس المر في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل- بتغرين، وعاونه في الخدمة عدد من الآباء الكهنة.
في نهاية الخدمة، كانت كلمة باسم الآباء الكهنة ألقاه قدس المتقدم في الكهنة ملحم حوراني:
“في الموضع المرتفع المقدس أسكُن، ومع المنسحق والمتواضع الروح” (إش 57: 15)
في اجتماعٍ عامّ لكهنة أبرشية جبل لبنان، في سنة 1993، في كنيسة مار جريس-برمانا، أعطى سيادة راعي الأبرشية السابق، سيدنا جورج، الذي يتجاوز غدًا عتبة المئة عامٍ، أعطى توجيهًا للكهنة بألّا يعتبروا أنفسهم طغمةً إكليريكيةً تتمايزعن شعب الله. صحيحٌ أنهم كهنة، إلا أنهم جزء لا يتجزّأ من هذا الشعب. فإن صلَّوا لأجل شعب الله، فهُم قد صلّوا لأجل أنفسهم ضمن هذا الشعب. ولذلك أوصى سيادته في ذلك الاجتماع بشطب كلمة “الكهنة” من “إفشين ما وراء المنبر” -الإفشين الأخير قبل نهاية القداس- بحيث يقال فقط “هبِ السلام لعالمك ولكنائسك ولكل شعبك”. كان أبونا الياس آنذاك حاضرًا وسجّل هذه الوصيّة. في الواقع، لم أره يمسك قلمه ويسجّلها في مفكّرته، بل رأيتُ، طوال هذه السنين التي انقضت في رفقتي له، عن قُرب أو عن بُعد، أنها كانت مسجّلة في قلبه وسلك بموجبها حتى الرمق الأخير، وهو ما كان قبْلها يسلك بشكل مغاير، فهذه شكيمته وشعار عُمره. أبونا الياس لم يفرض نفسه على شعب الله في بتغرين -وعلى كل من عرفوه في هذا المحيط وخارجه- لم يفرض نفسه بسطوة الكهنوت أو بتمايُز المقام ورفعته. لقد فرض نفسه خادمًا متواضعًا على صورة ما قيل قديمًا في الأسفار المقدّسة عن المسيح الآتي أنه “لا يصيح ولا يَرفع ولا يُسمع في الشارع صوتُه، قصبةً مرضوضةً لا يقصف، وفتيلةً مدخّنةً لا يُطفئ. إلى الأمان يُخرج الحق، لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض” (إش 42: 2-4).
لاحظ حاجات رعيّته وهمومها وأوجاعها. فحمل أحزانها وأفراحها، ضيقها وفرَجها، واقعها ورجاءها، لأنه أب (ألا نناديه “أبونا”؟)، والأب لا يُغمض عينيه عن شؤون أبنائه، بل يلتقط بناظرَيه كل حاجةٍ عند البنين الذين استأمنه الله علي خلاص نفوسهم. والمؤمنون يصيرون بنين لله حين يستدلّون على أبوّة الله ويهتدون إليها إذا توفّر لهم أن يعرفوا عناية الأبوّة ورعايتها هنا على الأرض. أبونا الياس كان ذلك الأب (“أبونا”) الذي عاش لرعيّته -عائلته الكبيرة-، وأمامها، ولأجلها.
كيف يلاحظ إنسان حاجات الناس كلَّها، التي الله وحده يعرفها، مع أنه إنسان ترابيّ ومحدود؟ لا يلاحظ إنسان حاجات الناس إلا إذا توفّر فيه شرطان:
1-أن يكون “إنسان قلب” وقد سلّم قلبه لله: “يا بنيّ أعطني قلبك، ولتُلاحظ عيناك طرقي” (أم 23: 26). فالله غير محصورٍ ولا يسَعه مكان، ولكن إذا جَهِدتَ في أن تُعطي قلبك لله مسكنًا، فقد بات هذا القلب يحتوي العالم كله. وإذا سلّمت قلبك لله، فهذا يعني أيضًا أنك سلّمتَه ذهنك لأن القلب لا ينفصل عن الذهن في إيماننا، والذهن الذي سُلّم إلى الله هو ذهن مستنير لا تجِد الظلمة إليه سبيلًا. أبونا الياس سلّم قلبه لله، ليس في خدمته الكهنوتية فحسب، بل منذ الطفولية.
2-الشرط الثاني هو التواضُع والامّحاء الذي بلغ فيه مبلغًا كبيرًا. ألّا ترى نفسَك شيئًا، يُتيح لله أن يرفعك، لأنه “رفع المتواضعين” (لوقا 1). وإذا رفعك الله، فلك أن تطّلع من العلوّ، من عند الله، فترى الناسَ وتفاصيل حاجاتهم، وحينها تقدر أن تساعد وتُعالج وتُعزّي وتُبلسِم كل جراحاتهم. أن تتواضع يعني أنك تسمح لله أن يستعملك كما يستعمل أماكن العبادة التي تُبنى على التلال. ألا يقول الله على لسان إشعياء النبيّ “في الموضع المرتفع المقدس أسكن، ومع المنسحق والمتواضع الروح” (57: 15)؟
يحمل الكاهن رعيته كلها، بكل تفاصيلها، ويواظب يومًا فيومًا على خدمتها بما أوتي من حكمة وقوة… إلى أن يرتحل عن هذه الفانية. وحين يرتحل، يقول عنه المرنّم “تخرج روحه فيعود إلى ترابه. في ذلك اليوم نفسه تهلك جميعُ أفكاره” (مز 146: 4). نعم تهلك جميع أفكاره التي كان يخطط فيها للعمل والخدمة. ولكنه اختزن ما لا يهلك مع جسمه الترابي. إختزن أسماءكم وأسماء أولادكم والراقدين من أهلكم ومرضاكم ومسافريكم ومرتّليكم والمحسنين إلى كنيستكم والمحزونين منكم والضعفاء بكل نوع من الضعف والمأسورين بكل نوعٍ من الأسر والمغتربين والمتغرّبين عن الوطن وعن الجماعة المصلّية. هؤلاء كلهم لا تهلك أسماؤهم مع رحيل أبونا الياس، بل باتت مكتوبةً فوق لأن روحه اليوم تسجّلها فوق في سفر الحياة.
اليوم قد سارع أبونا الياس الخُطى، واستعجل للرحيل. أسلم الروح بعد أن وقف خمسًا وثلاثين سنةً “كقضيب لوزٍ… ساهر” (إر 1: 11) أمام المائدة المقدّسة في هذه الكنيسة. مَن تابعه طوال هذا الوقت سيكون صعبًا عليه أن ينسى هذه الصورة. طبعًا لن تُنسى هذه الصورة. وإذا نسي أهلُ الأرضِ هذه الوقفة الجليلة، فالله حافظها ولا ينسى. ولكن الكنيسة المربّية جعلت الكاهن يقف أمام المائدة المقدّسةِ التي هي صورة عن قبر المسيح المحيي، الذي لم يستطع أن يبتلع المسيحَ الحياة، إذ خرج المسيحُ منه في اليوم الثالث قائما من بين الأموات. الصورة إذًا هي في أننا جميعًا وقفنا في هذه الكنيسة التي كان أبونا الياس يؤمّ فيها الصلاة، وكنا متّجهين، نحن وأبونا الياس، إلى القبر المحيي، من حيث خرج “النور والحياة وقيامة العالم”. سوف نحمل في ختام هذا اليوم أبونا الياس ليرتاح في مدفن الكهنة. ولكن الذهبي الفم يقول “قام المسيح ولا ميت في القبور”. لا نفهم قولة الذهبي الفم إلا إذا فهمنا أن الموت ليس هو إلا الانتحاء عن الله والابتعاد عنه. وما القبور إلا مراقد (ففي مخطوط قديم في كنيسة المحيدثة، يعود إلى سنة 1523، كُتِب أن المؤمنين يخرجون من قدّاس سبت الأموات ويتوجّهون معًا، مباشرةً بعد القداس، إلى المقابر لإقامة صلاة النياحة: «وبعد نَجاز الصلاة، نحمل الشمع والبخور، ونذهب بأجمعنا إلى الكِمِتير (“المرقد” باليونانيّة، حيث يغفو المؤمنون استعدادًا للقيامة العامّة)، مقبرة الآباء والسالفين مِن الإخوة»).
في المقابر يوَدَّعُ الأحبّاءُ والأقارب والأصدقاء للمرّة الأخيرة على الأرض. ولكنّ النظرة أخذت معنى جديدًا بعد زيارة النسوة حاملات الطيب إلى قبر المسيح في اليوم الثالث من دفنه… فعندما سنزور مدفن أبونا الياس أو أي مدفن آخر لأحبائنا، ما عُدنا نقصدها لنتفجّع، ولا لنذرف الدموع سخيّةً أمام قبورٍ تحوي عظامًا وترابًا، بل لنرفع الابتهالات «من أجل الذِكر المغبوط والراحة الأبدية» للراقدين على رجاء القيامة والحياة الأبدية. فمِنَ القبور سيقوم الأمواتُ في المسيح في اليوم الأخير (1 تسا 4: 16) كما خرج المسيح قائمًا من قبره في اليوم الثالث «باكورةً للراقدين» (1كور 15: 20)، فتَحَوّل القبرُ مصدر تعزية وفرح، وما عاد يُذكّرنا بالهزيمة والضعف البشريّ والموت والحزن.
هل نبكي اليوم على رقاد أبونا الياس؟ لا. لن نبكي. ولنا في مسلك القديسة مريم المجدليّة عبرة ونبراس. فحين ذهبَت مريم تبكي فجرَ الأحد عند قبر المسيح (يو 20: 11)، بادَرَها المسيح عندما التفتَت إلى خلفها بقوله: «لمَ تبكين؟ …اذهبي إلى إخوتي…»، فأطاعته وذهبت إلى إخوته التلاميذ المجتمعين في العُلّيّة، وهناك ظهر المسيح القائم «ففرحَ التلاميذ إذ رأوا الرب». ونحن اليوم، مثل مريم، سنُطيع الرب مِن جديد، فنذهب إلى إخوته المجتمعين لإقامة سرّ الشكر كلّ يوم أحدٍ، حاملين معنا بُكاءنا، فيتبيَّن لنا أننا نقف مرّةً أُخرى أمام قبر المسيح الذي ترمز إليه المائدة المقدّسة، وهناك يُبادرُ المسيحُ القائم كلَّ نفسٍ باكيةٍ بقوله: «لمَ تبكين؟…». إذ ذاك يصير “القبرُ” مصدرَ نهوضنا وحياتنا وفرحِنا الأبديّ، ولا نعود نرجو إلا الوقوف في الأحد التالي أمام ذلك القبر نفسه الذي بات وسطَ الكونِ كلّه محجّةَ نفوسنا وقِبلتَها الأبدية.
يرحل أبونا الياس عن أرضنا بعد أن “جاهد الجهاد الحسَن وأكمل سعيه وحفظ الإيمان” (2تيم 4: 7)، ونسمعُ الرائي يصرّح: “وسمعتُ صوتا من السماء قائلا لي: اكتب، طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالُهم تتبعهم” (رؤ 14: 13).
لقد قال الرب يسوع: “كل كاتب متتلمذ في ملكوت السموات يشبه رجلا يُخرج من كنزه جُددا وعتقا” (متى 13: 52). اليوم أخرج أبونا الياس، الذي تتلمذ في ملكوت السموات، من كنزه هذه الجدد والعتق، سلّمَنا إياها، سلّم عائلته الصغيرة، وعائلته الكبيرة، وائتمَنَنا عليها وانطلق على رجاء القيامة والحياة الأبدية. فليكن ذكره مؤبدًا.

Christian Orthodox Archdiocese of Mount Lebanon‎

Διαδώστε: