القدّيس غريغوريوس النيصصي ورؤيا حول البارّة مكرينا عند رقادها كما كتبها في ”رسالة حول حياة القدّيسة ماكرينا“ شرح فيها:
“الجسد المقدّس” و “الجمال المقدّس” و”الوجه الإلهيّ” هكذا يصف القدّيس غريغوريوس ماكرينا.
فقد حلم بشقيقته ماكرينا شارحًا: “بعد أن كنتُ أنهيتُ القسم الأكبر من الطريق، بحيث لم يبقَ لي سوى مسيرة يوم واحد لأصلَ إلى الدّير، حصلت في الحلم على رؤيا جعلتني أتصوّر من أجل المستقبل، تخوّفات معتّمة. بدا لي وكأنّي في يد ذخائر الشهداء، ومنها يخرج شعاع يشبه شعاع مرآة لمّاعة، موضوعة تجاه الشمس، بحيث إنّ عينيّ عميتا لبهاء هذه الأشعّة. مثل هذه الرؤيا ظهرت لي ثلاث مرّات في تلك الليلة. وإذا كنتُ لم أفهم بوضوح المعنى الخفيّ لهذا الحلم فإنّي كنتُ أشتفّ مع ذلك بعض الغمّ لنفسي، منتظرًا ما يلي من الأحداث لكي أحكم هلى هذا الظهور حكمًا صائبًا” (١٢/١٥-٢٤).
وحين وصل القدّيس غريغوريوس إلى ماكرينا، رأى فيها “ذخائر قدّيس شهيد، جسدًا مات عن الخطيئة، ويشعّ بنعمة الرّوح القدس فيهم” أو “فيها” (١٣/١٩-١٥).
وبعد موت ماكرينا، لاحظ القدّيس غريغوريوس أنّ جسمها يشعّ، مع أنّه ارتدى لباسًا معتّمًا (أي لباس الرهبنة الأسود) “كما رأيتُ في حلمي”. “فلا شكّ في أنّ القوّة الإلهيّة أضافت أيضًا هذه النعمة إلى جسمها بحيث بدا أنّ من جسمها يتفجّر نور بهيّ” (٨/٣٢-١٢).
والسّهرة قرب جثمان ماكرينا امتدّت في مزامير وفي أناشيد كما في وداع الشّهداء. قال: “وإذ كنّا مهتمّين بهذه الاسعدادات، وترنّ حولنا مزامير تنشدها العذراء، ممزوجة بالرِّثاء والبكاء، انتشر خبر موتها ـ لستُ أدري كيف ـ فجأة في كلّ مكان، في المنطقة المجاورة. وجميع الذين كانوا ساكنين هناك، بدأوا يتوافدون بعدد كبير جدًا بحيث إنّ الرواق ما كان ليضمّ جميع الواصلين” (١/٣٣-٦).
وبعد أن اهتمّوا بماكرينا في ما يتعلّق باللّباس الذي يكون من الكتّان، حملها أسقفان وكاهنان إلى جوار الشّهداء، والجميع ينشدون المزامير مع نشيد الفتيان الثلاثة في أتون النّار (دا ٥١:٣).
نكتشف من رسالة القدّيس صلاة البارّة ماكرينا:
اعتادت البارّة مكرينا بالتوجّه إى الربّ يسوع المسيح بالمخاطبة كونه إلهٌ شخصي متجسّد قريب منّا:
– أنت يا ربّ، خفّفت لنا الخوف ممن الموت (عب١٥:٢).
– أنت جعلتَ لنا من نهاية الحياة على الأرض، بداية الحياة الحقيقيّة.
– أنت تترك جسدنا يرتاح وقتًا في رقاد، وتوقظه من جديد حين يصوّت البوق الأخير (١كور ٥٢:١٥).
– أنت جعلت الأرض مستودع أرضنا، التي صنعتها يداك، وها أنت تحيي أيضًا ما أعطيته لها، فتحوّل بالخلود والجمال ما هو مائت فينا ومشوّه (١كو٥٣:١٥).
– أنت اقتلعتنا من اللّعنة ومن الخطيئة حين صرت لنا لعنة (غل ١٣:٣) وخطيئة (٢كور ٥: ٢١).
– أنت حطّمت رأس التنين (مز ١٤:٧٤) الذي أمسك الإنسان بشدقه واجتذبه من هوّة العصيان.
– أنت فتحت طريق القيامة، بعد أن حطّمت أبواب الجحيم (مت ١٨:١٦) وفرضت العجز على المالك على الموت (عب ١٤:٢).
– أنت الذي أعطيت لخائفيك شعارًا (مز ١٦:٦٠)، علامة الصّليب المقدّس لتزيل العدوّ وتعطي الطمأنينة لحياتنا (مز ١١:١١-١٢).
– أيّها الإله الأزليّ، نحوك انطلقتُ منذ أنا في حشا أمّي (نش٧:١)، أنت يا من أحبّتك نفسي بكلّ قوّتها. لك كرّستُ جسمي البشريّ ونفسي منذ صباي وحتّى هذه اللّحظة.
فاجعل بقربي ملاك النّور (مز ٢:٢٣) فيقودني بيد إلى مكان البرودة حيث نجد مياه الرّاحة في حِضن الآباء القدّيسين (لو ٢٢:١٦) (١/٢٤-٢٩).
أنت حطّمتَ شعلة سيف النّار (تك ٢٤:٣)، وأعدتَ إلى الفردوس الإنسان الذي صُلب معك ووثق برحمتك، فاذكرني أنا أيضًا في ملكوتك (لو ٤٣:٢٣).
أنا أيضًا صلبتُ معك (غل ١٩:٢) ، أنت يا من سمَّر بدني بمخافتك، فخفتُ أحكامك (مز ١٢٠:١١٩). فلا يفصلني الغمر (لو ٢٦:١٦) المخيف عن مختاريك.
ولا يقف الحسود (أي إبليس) عليّ في طريقي، ولا تنكشف خطيئتي أمام عينيك، لأنّي ضللتُ لضعف طبيعتنا، وخطئت بالقول والفعل والفكر.
– أنت يا من لك سلطان على الأرض بأن تغفر الخطايا (مر ١٠:٢) فاغفر لي خطاياي لكي أستعيد أنفاسي (مز ١٤:٣٩). وحين أجرَّدُ من جسدي (كو ١١:٢) لأوجد أمام وجهك بدون عيب ولا تجعيد (أف ٢٧:٥) في صورة نفسي، بل لتستقبل نفسي بين يديك، بدون لوم وبدون دنس، مثل بخور أمام وجهك (مز ٢:١٤١)” (٣٠/٢٤-٤٦).
كما كان لها طلبات مسائية من شكر وتسبيح تتمحور حول خيرات الله ونعمه، وطلب غفران الخطايا، وصلاوات من أجل الراقدين، ومساعدة الملائكة، والدينونة وغيرها.
كلّ هذا يسلّط الضوء على ثلاثة أمور أساسّية:
– الأمر الأوّل: تأثير المحيط العائلي ودور العائلة في تربية أولادهم.
– الأمر الثاني: الحياة النسكيّة والطاهرة للبارّة ماكرينا وقوّتها في القرون الأولى للمسيحيّة. فكلّ مسيحيّ مدعو زن يكون طاهرًا ورجل صلاة.
– الأمر الثالث: المعرفة القويّة للكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، وهي دعوّة موجّهة لنا اليوم وكلّ يوم للإنكباب على الكتاب المقدّس.
