عظة الكلي القداسة البطريرك المسكوني برثلماوس في كنيسة القديس ديمتريوس بسفارة اليونان في رومانيا (بوخارست، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٥)
صور الجزء الاخير
سعادة السفيرة
بمشاعر الفرح، نعبّر من صميم القلب عن جزيل شكرنا وتقديرنا العميق، نحن والمترافقة معنا الوفد الكريم، لفخامتكم على الدعوة الكريمة إلى مقرّ سفارة اليونان في بوخارست. وقد غمرتنا فرحة روحية خاصة وعميقة التأثر خلال إقامة صلاة الباراكليسي (التوسّل) للقديس ديمتريوس العظيم في الشهداء، المفيض الطيب، في الكنيسة التاريخية البهيّة التابعة لسفارتكم.
القديس ديمتريوس محبوب جدًا بين الأرثوذكسيين، إذ لا يُحصى عدد المؤمنين الذين يقصدون مدينة استشهاده، إلى كنيسته المهيبة في تسالونيكي، ليكرّموا ذخائره المقدسة — “الشهيد الأكرم والمحبوب لدى الرب” — ويلتمسوا عونه وشفاعته أمام الرب.
وفي أرجاء العالم الأرثوذكسي، أقيمت كنائس عديدة مكرّسة للقديس ديمتريوس، وتزيّن القسطنطينية (العاصمة الملكية للمدن) خمسة معابد شامخة على اسمه.
في كل مكان، يسطع القديس ديمتريوس “منيرًا للأطراف، متلألئًا بنورٍ لا يغيب، ومبتهجًا بالضياء الذي لا يزول”، إذ يستنير، كما جميع شهداء إيماننا، بالنور الأبدي لمجد المسيح، بحسب قوله الإلهي:
«أنا قد جئت نورًا إلى العالم» (يوحنا 12:46).
ويقول سلفنا في القداسة، رئيس أساقفة القسطنطينية يوحنا الذهبي الفم، مفسّرًا:
«إن أعمال القديسين باقية لا تُنتزع ولا تُقهر، وسبب ذلك هو الله، الذي يسكن في هذه النفوس» (PG 50, 670).
إن وجود كنيسة داخل مبنى السفارة اليونانية هنا، والتي بحد ذاتها تُجسِّد وتُعبّر عن كل هذه الحقائق، يحمل رمزية عميقة ويُبرز الوحدة الجوهرية في المسار التاريخي وفي هوية الهيلّينية (اليونانية).
ولا شكّ في أن اللقاء والاتحاد الخلّاق بين الهيلّينية والمسيحية — والذي وُصف بحق بأنه «معجزة» — قد أغنى كلًّا من المسيحية والهيلّينية على حدّ سواء. وكما كتب اللاهوتي الكبير الراحل الأب جورج فلوروفسكي:
«لقد اكتسبت الهيلّينية طابعًا أبديًّا داخل الكنيسة؛ إذ اندمجت في بنيتها كفئةٍ أبديةٍ من فئات الوجود المسيحي».
ومن هذا الارتباط الخلّاق تستمدّ الهيلّينية فرادتها، التي تجمع بين رخام المعابد القديمة البهيّة والكنائس البيزنطية التي تبقي باب السماء مفتوحًا، وبين نصوص الفلاسفة والمأساويين الإغريق والعهد الجديد وكتابات آباء الكنيسة، وكلّها معًا تشكّل آثارًا لا مثيل لها للّغة اليونانية.
وفي إطار التفاعل المتبادل بين الهيلّينية والمسيحية، اكتسب الإنسانية القديمة توجهًا اجتماعيًّا وجماعيًّا واضحًا. ومن المستحيل كتابة تاريخ الأفكار الاجتماعية وحضارة التضامن دون الإشارة إلى هذه التقليد العظيم.
علاوةً على ذلك، فإن حياة الكنيسة ذاتها تمثل انتصارًا على كل القوى التي تهدّد اليوم التقاليد الإنسانية الأصيلة، وسلام المجتمع، وسلامة البيئة الطبيعية، واحترام قداسة الكائن البشري.
حقًّا، إن «الهيلّينية المعمّدة» هي أثمن ما يمكن لأمتنا أن تقدّمه كاقتراحٍ للحياة في العالم المعاصر.
إنّ القيم التي تحدّثنا عنها، يعبّر عنها بوضوح من خلال شهادته ومبادراته بطريركيتُنا المسكونية. فـ الكنيسة العظمى للمسيح تسهر بعناية على المسيرة المشرقة للشؤون الكنسية، وتعلن بشارة الحرية في المسيح، وتناضل من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان، وعن تعزيز الحوار بين المسيحيين، وتقريب الشعوب والأديان والثقافات، وكذلك من أجل حماية الخليقة.
أيها الإخوة المكرمون في الأسقفية،
صاحبة السعادة، أيها الأحبّاء المشاركون في الصلاة،
إن الروح اليونانية والأخلاق المسيحية، في وحدتهما وطابعهما المسكوني، تُوسّعان الآفاق وتُعزّزان فكرة وجود جذعٍ واحد من القيم الأساسية المشتركة، كقاعدةٍ للسلام العالمي والتعاون بين البشر.
وفي شخصكم، يا سيدة السفيرة، نرى ونكرّم جميع أولئك الذين يخدمون ويدافعون عن هذه القيم وهذه الرسالة المحورية.
وفي هذا الروح، وإذ نشكركم مرةً أخرى على دعوتكم الكريمة، نتمنى لكم الصحة وكل بركةٍ سماوية لمواصلة عملكم المسؤول المثمر، داعين أن تنزل على فخامتكم وعلى معاونيكم الأفاضل، بشفاعات القديس ديمتريوس العظيم في الشهداء، الجريان الطيب، نعمة الله الوافرة ورحمته اللامتناهية، إله الحكمة والمحبة.
البطريركية المسكونية باللغة العربية
