(الثقة بالله في مواجهة الآلام والصعوبات)
الإخوة والأبناء الأحباء،
يمرّ الناس في هذه الأوقات العصيبة بصعوبات حياتية جمّة تتنوع أشكالُها، ومداخلُها، ومخارجُها، ويتوفّر لهذه المشاكل عددٌ كبير من الخدّام والصنّاع برغم قسوتها وعَنَتِها وشدتها. وخدامُ هذه المشاكل وصناعها لا يريدون منها خدمة في هذا الزمن الحاضر، بل للحاضر والآتي، ولتسوية ما لم يحالفهم الحظ في النجاح به في الزمن الماضي. ويبدو أنهم يعملون ما يعملون على رجاء التحقيق في الزمن الآتي. المهم أن يحقّقوا ما في أنفسهم غير مهتمين لا بالواسطة، ولا بالوسائل، ولا بالإجراءات، ولا الكيفيات التي يتم العمل من خلالها. وهؤلاء الناس في كل مكان هم أصحاب الأمر، وإليهم يعود، حتى أن البعض منهم يظنّون أنفسهم أنهم يُحْيون ويُميتون، ويقولون لهذا تعال، ولذاك إذهب فيتم الأمر.
وهؤلاء المسؤولون الخدّام والصنّاع عند الأسياد أصحاب القوى العظمى، أوصلوا الناس لدرجة أن الناس فقدت الأمل، أي فقدت الأمل بهم. وبعضهم يشدّ أزر بعض لتمتين السيطرة على رقاب الناس.
وقد مرَّ الناس في عكار وغيرها بهذه التجارب، ولا يزالون. ولكن الناس عندهم منظومة أخلاقية عظيمة لأنهم يؤمنون بالله الذي بيده وله الأمر من قبل، ومن بعد، وبه يَثِقون ويعرفون أنَّه إذا كان للباطل جولة، فكل الجولات للحق، ولا يثبت في المكان والزمان إلا الحق.
وقد جرَّبنا نحن المسيحيين طريقين. طريق الجلجلة الى الصليب. وجرّبنا طريق السهولة والرفاهية.
وإذا كنا متمسكين بدرب الصليب طوعّنْا الممالك، وغيّرنا أخلاق الشعوب. لأن طريق الصليب يقتضي المعونة الإلهية. والبشر عادة لا يعينون على تجاوزه لأنهم إذا لم يكونوا مؤمنين بالمصلوب عليه، أو بفاعلية الصليب ومعانيه، وارتباط هذا الطريق بالقداسة، وديمومة الفضيلة. لأنه يحمل مسرّة ورضا الله. وكل ما له علاقة وجوديّة بالله ثابت هو، كما الله ثابت جلَّ جلاله. ولو لم يتمسك ربنا يسوع المسيح بالهدف الإلهي، وله الثقة الكاملة بأن الله متمٌّ نوره، ولو كره الكافرون لما تحقّق الخلاص للعالم. وهذا الأمر يعرفه المؤمنون، وخاصة الذي ذاقوا خبرة الثبات مع الله. وتعاملوا على أساس هذه الثقة مع البشر وأحوالهم. إن أعظم المثبتات في طريق الفضيلة والنجاح والفرح، الثقة بالله.
يقول الرسول بولص مفتخراً بآلامه التي تجاوز بعددها وكميتها وكيفيتها كل آلام الرسل، ولكنه إذ اعتبر آلامه مقرونة بآلام المسيح لأجل جسد المسيح أي الكنيسة، كان يشعر بالفرح، ويصرخ قائلاً: “إني أفرح بآلامي”، ثم يؤكد أن هذه الثقة تجعله ثابتاً على صخرة الإيمان، وهذه الصخرة لا تتزعزع مهما ضربتها الأنواء والأهواء.
لم أسمع أن مؤمناً اعتمد على الحياة الرفاهية والبذخ، وأخلاق السوق الإستهلاكية إستطاع أن يكمل طريق الجهاد، ولا عنفوان الشخصية، ولا شيء من مثل ذلك المطلوب لكي يستمرّ الحق. من الخبرة النسكية نتعلم أن التهاون يولد التهاون، والعمل على درب الصليب يولد الجديّة والصبر والرجاء، ثم يصل الإنسان الى القيامة، وكما ذكرنا هذا الطريق يتطلب الثقة بالله وبوجوده ليس من خلال موجوداته فقط، بل ومن خلال إشاراته واتصالاته وتنويهاته. فالقديسون وخاصةً الشهداء ما الذي جعلهم يقوون على الحديد والنار وسائر العذابات.
ما الذي قاد القديس اغناطيوس الإنطاكي الشهيد أن يكون فرحاً وهو ذاهب ليلقى أمام الأسود. لولا هذه الثقة هل كان بإمكان القديس جاورجيوس أن يحتمل العذابات على أنواعها. أو الأربعين شهيداً يتحملون الموت على الجليد، وغيرهم وغيرهم.
أليست الثقة بالله هي التي جعلت الملوك والأمراء يطلبون النسك متخلّين عن كل ما في هذا العالم.
أليست الثقة بالله الذي لا يلقي كلمته وتعود إليه خائبة. هي التي أقنعت الرهبان بحياتهم، وأن يزيدوا عليها أحمالاً، ويزيدوا فرحاً برغم قساوة حياتهم معتبرين أن العالم ومسراته عبارة عن لا شيء أمام ما أعدَّه الله للذين يحبونه.
الإنسان الواثق بالله هو الذي يحيا لله إن عاش، ويموت لله إذا مات. أي كما يقول الرسول بولص: “لست أنا أحيا، بل المسيح يحيا فيَّ”.
هذه الثقة لا تبقى مجرّد كلمات، ولكي يقدّمها المؤمنون تقدمة حيّة، عليهم أن يعيشوها بكل كيانهم ووجودهم ومشاعرهم وأعمالهم، أن يتجاوزوا كل الصعوبات أشداء وأقوياء بالحق والإيمان، وكلما ثبتُوا كلما شعروا بفرح وجودهم في حضرة الله الذي لأجله يتحملون ما يتحملون، ويشعرون بأن النعمة الإلهية موجودة في دروبهم.
إذا كان الإيمان هو الثقة بها يرتجى واليقين بها لا يرى. فإذا كان ما أعدّه الله للذين يحبونه (ما لم تره عينٌ، ولم تسمع به إذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر)، فكم بالحري سيكون سبحانه وتعالى أسمى من ذلك، بالحقيقة أسمى وأعلى من كل قياس وتشبيه، إذاً كما يقول الكتاب “ثقوا بالله في كل حين”.
كان بطرس متيقِّناً من كلمة المسيح، فمشى على الماء، ولكن عندما شكّ، ونظر الى ذاته إضطرب وبدأ يغرق. ولأن الثقة تعطي الشجاعة والثبات طلب السيد من بطرس أن يثبّت إخوته.
ولما شك البعض بسبب كلامه الذي دلّ به عن أي جهاد سيحصل له تركوه وانفضوا من حوله.
نحن مطالبون أن نصلي بثبات (صلوا ولا تملوا).
فالثقة إذاً تعطي غزارة في الأفكار الحسنة، وفي الطريق تُشعر الإنسان بالفرح برغم الضيق. فيستمر في جهاده ثابتاً مع الله. الثقة هي نعمة من الله، وتزداد مع الأيام بالجهاد الروحي.
أيها الإخوة الأحباء،
كما هي حال الأشخاص هكذا هي حال الشعوب، فالأشخاص عندهم ثقة شخصية، ولكنها تتأثر وتؤثّر بالثقة المجتمعية. فالإنسان يتشدّد بالذين من حواليه، ويشدّدهم هو أيضاً بثباته وإيمانه. إذاً ليكن عندنا الثبات على الإيمان، والثبات في المحبّة والصلاة. ليس حسناً أن نوجد في أي وقت متهاونين متخاذلين أو متكاسلين كي لا نقع فيما حذرنا منه الرسول بولص في رسالته الى أهل رومية، أي ألا نغرق بالتعلق بالإمكانيات مستبدلين الله بعبادة مخلوقاته. فالله لا يخيّب عبيده طالما هم منضوون تحت جناحيْ محبته وعنايته ورعايته. بالثقة بالله والثبات على الإيمان إستطاع آباؤنا أن يتجاوزوا دهوراً صعبة فلا نكن نحن بسبب الرخاء الذي عشناه قد فقدنا الثقة والثبات عمّا فيه الخير العميم لحاضرنا ومستقبلنا.
لا نكن ضعفاء خائفين أمام صغائر الأمور. أوبئة وأمراض، ومجاعات، ولكنني أنتصر عليها كلها بالله الذي يقويني. كما انتصر محبوا الله على كل الضيقات والصعاب.
+المتروبوليت باسيليوس منصور
مطران عكار وتوابعها
20 Σεπτεμβρίου, 2020
كلمة الراعي
Διαδώστε:

Διαδώστε: