كَلِمَةُ سِيادَةِ راعي الأَبرَشِيَّةِ المتروبوليت الياس الجزيلِ الاحترام في احتِفالاتِ تخرُّج طلّاب مدارس بيروت الأرثوذكسيّة، والّتي ألقاها إِنابَةً عنهُ عددٌ مِنَ الآباءِ كَهَنَةِ الأَبرَشيَّة:
«بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُس، آمين.
البَنات والأَبْناء الأَحِبَّاء، يا مَنْ بَلَغْتُمُ اليَوْمَ عَتَبَةً جَدِيدَةً مِنْ عَتَباتِ الحَياة، نَقِفُ مَعَكُمْ في هَذا اليَوْمِ المُبارَكِ لا لِلإِحْتِفالِ بِنِهايَةِ مَرْحَلَةٍ، بَلْ بِبِدايَةِ مَسِيرَةٍ تَمْتَدُّ مِنْ مَقاعِدِ المَدْرَسَةِ إلى آفاقِ الجامِعَةِ، ومِنَ التَّعَلُّمِ النَّظَرِيِّ إلى مُواجَهَةِ العالَمِ بِما فِيهِ مِنْ تَحَدِّياتٍ ومَسْؤُولِيَّات. إِنَّها لَحْظَةُ فَرَحٍ وَامْتِنانٍ لأَنَّ اللهَ الَّذِي رافَقَكُمْ في سَنَواتِ الطُّفولَةِ والمُراهَقَةِ، وعَضَدَكُمْ وَسْطَ التَّعَبِ والسَّهَرِ والإمْتِحاناتِ، هُوَ نَفْسُهُ يَفْتَحُ أَمامَكُمُ اليَوْمَ أَبْوابَ المُسْتَقْبَل.
لَقَدْ عَلَّمَتْنا الكَنِيسَةُ أَنَّ العِلْمَ الَّذي لا يَقُودُ الإِنْسانَ إلى الحِكْمَةِ والمَحَبَّةِ والتَواضع وخِدْمَةِ الآخَرِينَ يَبْقَى ناقِصًا، لأَنَّ المَعْرِفَةَ وَحْدَها قَدْ تَنْفُخُ، أَمَّا المَحَبَّةُ فَتَبْنِي. لِذَلِكَ، انْتِقالُكُمْ إِلى الحَياةِ الجامِعِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْتِقالٍ أَكاديمِيٍّ، بَلْ هُوَ دَعْوَةٌ لِكَيْ يَكْتَشِفَ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُمْ رِسالَتَهُ في هَذا العالَم.
مِنْكُمْ مَنْ سَيَخْتارُ الطِّبَّ لِيُخَفِّفَ أَوْجاعَ النَّاسِ، ومِنْكُمْ مَنْ سَيَدْرُسُ الهَنْدَسَةَ لِيَبْني، أَو الحُقُوقَ لِيَحْمي العَدالَةَ، أَو التَّعْلِيمَ لِيَزْرَعَ المَعْرِفَةَ، أَو العُلُومَ والتِّكْنولوجيا لِيُطَوِّرَ حَياةَ الإِنْسانِ، أَو الفُنُونَ لِيُظْهِرَ جَمالَ الخَلِيقَةِ… كُلُّ اخْتِصاصٍ، مَهْما بَدا بَسِيطًا، يَتَحَوَّلُ إلى خِدْمَةٍ مُقَدَّسَةٍ مَتَى اقْتَرَنَ بِالمَحَبَّةِ والأَمانَة. القِدِّيسُ باسيليوسُ الكَبِيرُ يَرَى في كُلِّ مَوْهَبَةٍ يَمْنَحُها اللهُ لِلإِنْسانِ وَدِيعَةً يَنْبَغِي أَنْ تُسْتَثْمَرَ مِنْ أَجْلِ خَيْرِ الجَماعَةِ لا المَجْدِ الشَّخْصِيِّ. لِذَلِكَ، لا تَسْأَلوا أَنْفُسَكُمْ: ماذا أُرِيدُ أَنْ أكون؟ بَل مِنْ أَجْلِ مَنْ سَأَعِيشُ؟ وكَيْفَ سَأَجْعَلُ مِنْ عِلْمِي بَرَكَةً لِلآخَرِين؟
الطَّرِيقُ أَمامَكُمْ لَنْ يَكُونَ سَهْلًا. أَنْتُمْ تَدْخُلُونَ الحَياةَ الجامِعِيَّةَ والمِهنِيَّةَ في زَمَنٍ صَعْبٍ، وفي وَطَنٍ يَتَأَلَّمُ. لُبْنانُ الَّذِي أَحْبَبْناهُ وما زِلْنا، يَعِيشُ أَزَماتٍ إِقْتِصادِيَّةً وإِجْتِماعِيَّةً وإِنْسانِيَّةً وأمْنِيَّةً قاسِيَةً، تَجْعَلُ كَثِيرِينَ مِنَ الشَّبابِ يَشْعُرونَ بِالخَوْفِ على مُسْتَقْبَلِهِم. كَثِيرونَ مِنْكُمْ قَدْ يُفَكِّرونَ بِالهِجْرَةِ، أَوْ سَيُضْطَرّونَ يَوْمًا إلى الرَّحِيلِ نَحْوَ بُلْدَانٍ أَكْثَرَ اسْتِقْرارًا وأَمانًا، بَحْثًا عَنْ فُرْصَةِ حَياةٍ كَرِيمَة. هَذِهِ حَقِيقَةٌ مُوجِعَةٌ، لأَنَّ الإِنْسانَ لا يَتْرُكُ أَرْضَهُ بِسُهُولَةٍ، ولا يَبْتَعِدُ عَنْ أَهْلِهِ وكَنِيسَتِهِ وذِكْرَياتِهِ إِلَّا حِينَ يَشْعُرُ بِأَنَّ الأَبْوابَ قَد أُغْلِقَتْ أَمامَهُ.
فإنْ حَمَلَتْكُمُ الطُّرُقُ إلى بُلْدانٍ بَعِيدَةٍ لا تَنْسَوا أنَّ وَطَنَكُم بِحاجَةٍ إلَيْكُم، إلى جُهودِكُم وَعِلْمِكُم وإبْداعِكُم. لا تَسْمَحُوا لِلغُرْبَةِ بِأَنْ تَقْتَلِعَكُمْ مِنْ جُذورِكُمُ الرُّوحِيَّةِ والإِنْسانِيَّة. إِحْمِلُوا لُبْنانَ في قُلُوبِكُمْ، وَاحْمِلُوا إِيمانَكُمْ مَعَكُمْ أَيْنَما ذَهَبْتُمْ. المُغْرِياتُ كَثيرَةٌ، وقَدْ تدفع الإِنْسانَ إلى التَخَلّي عَنِ القِيَمِ والأَخْلاقِيَّاتِ الَّتي غُرِسَتْ في نَفْسِهِ على مَدى سَنَوات، إِلَّا أَنَّ الإِنْسانَ الحَقَّ قَدْ يُغادِرُ وَطَنَهُ، لَكِنَّهُ لا يُغادِرُ ما تَرَبَّى عَلَيْهِ مِنْ حَسَنات. تَذَكَّروا دائِمًا قَوْلَ الرَّبِّ: «أَنتُم نُورُ العَالَمِ» (مت 5: 14). النُّورُ لا يَسْأَلُ أَيْنَ يُوضَعُ، بَلْ يُضِيءُ حَيْثُما وُجِد. كُونُوا نُورًا في جامِعاتِكُمْ وفي مُجْتَمَعاتِكُمُ الجَدِيدَةِ، وعِيشوا إِيمانَكُمْ بِأَمانَةٍ وتَواضُعٍ ونَقاوَةِ قَلْب.
يُعَلِّمُنا القِدِّيسُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ الإِنْسانَ المَسِيحِيَّ الحَقِيقِيَّ لا يُعْرَفُ مِنْ كَلامِهِ فَقَطْ، بَلْ مِنْ حُضورِهِ وأَعْمالِهِ وأَخْلاقِه. فِي عالَمٍ تَتَزايَدُ فِيهِ الفَرْدِيَّةُ والأَنانِيَّةُ والمادِّيَّةُ، سَيَكُونُ التَّحَدِّي الأَكْبَرُ أَمامَكُمْ أَنْ تُحافِظُوا على إِنْسانِيَّتِكُمْ، وعلى ضَمائِرِكُمْ، وعلى عَلاقَتِكُمْ بِالله. سَتُواجِهُونَ أَفْكارًا كَثِيرَةً قد تَكونُ مُضَلِّلَة، وتَجارِبَ عَدِيدَةً قد تَكونُ مُغْرِيَة، وضُغُوطًا قَدْ تَدْفَعُ بِالإِنْسانِ أَحْيانًا نَحْوَ اليَأْسِ أَوِ المُساوَمَةِ أَوْ فُقْدانِ الرَّجاء. تَذَكَّرُوا أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَعِدْنا بِحَياةٍ خالِيَةٍ مِنَ الصُّعوباتِ، لَكِنَّهُ وَعَدَنا بِأَنْ يَكُونَ مَعَنا. الصُعوباتُ فُرَصٌ لِلتَعَلُّمِ وصَقْلِ الشَخْصِيَّةِ واكتِشافِ القُدُرات، وَهِيَ تُساهِمُ في اكتِسابِ الخُبُراتِ وتَعْزيزِ القُدْرَةِ على الصَبْرِ والمُثابَرَة، لِذَلِكَ لا تَخافوا مِنَ المُسْتَقْبَلِ لأَنَّ يَدَ اللهِ تَحْميكُم، والكَنِيسَةَ تُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، ونِعْمَةَ اللهِ تُرافِقُ خُطُواتِكُمْ.
في هَذا اليَوْمِ المُبارَكِ، لا يَسَعُنا إِلّا أَنْ نَتَوَجَّهُ أَيْضًا إلى الأَهْلِ الكِرامِ، إلى الأُمَّهاتِ والآباءِ الَّذِينَ حَمَلُوا تَعَبَ السَّنَواتِ الطَّوِيلَةِ بِمَحَبَّةٍ وصَبْرٍ وتَضْحِيَةٍ، ومِنْهُم مَنْ غادَروا هَذِهِ الأرضَ قَبْلَ أَنْ يُشارِكوا أَوْلادَهُم الأَحِبَّاءَ لَحْظَةَ انْتِقالِهِم إلى مَيْدانِ مُواجَهَةِ الحَياةِ بِأَفْراحِها وصُعوباتِها. كَمْ مِنْ صَلاةٍ رُفِعَتْ في الخَفاءِ، وكَمْ مِنْ خَوْفٍ وسَهَرٍ وقَلَقٍ عاشَهُ الأَهْلُ مِنْ أَجْلِ أَوْلادِهِمْ، والّذينَ غادَرونا لا شَكَّ أَنَّهُم يُقَدِّمونَ التَّضَرُّعاتِ أَمامَ عَرْشِ الرَّبّ. إِنَّ تَخَرُّجَ الأَبْناءِ لَيْسَ ثَمَرَةَ جُهْدِهِمْ وَحْدَهُمْ، بَلْ هُوَ أَيْضًا ثَمَرَةُ دُموعِ الأَهْلِ وتَعَبِهِمِ اليَوْمِيّ. لِذَلِكَ، تَقولُ الكَنِيسَةُ إِنَّ العائِلَةَ هِيَ «الكَنِيسَةُ الصَّغِيرَةُ»، لأَنَّها المَكانُ الأَوَّلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ فِيهِ الإِنْسانُ الإِيمانَ والمَحَبَّةَ والصِّدْق والإسْتِقامَة.
أَيُّها الآباءُ والأمَّهاتُ الأَحِبَّاءُ، إِنَّ أَبْناءَكُمْ يَكْبُرُونَ، ويَخْطُونَ نَحْوَ اسْتِقْلالِهِمْ ومَسْؤُولِيَّاتِهِم الخاصَّة، لَكِنَّهُمْ سَيَبْقَونَ دائِمًا بِحاجَةٍ إلى حُضُورِكُمْ ودَعْمِكُمْ وصَلاتِكُم. قَدْ تَتَبَدَّلُ الظُّرُوفُ، وقَدْ تُفَرِّقُ المَسافاتُ فيما بَيْنَكُمْ، لَكِنْ لا شَيْءَ يُعَوِّضُ دِفْءَ البَيْتِ، ولا قُوَّةَ الكَلِمَةِ المُشَجِّعَةِ، ولا حِضْنَ العائِلَة. إِسْتَمِرُّوا في مُرافَقَتِهِم لا بِالخَوْفِ والسَّيْطَرَةِ، بَلْ بِالمَحَبَّةِ والثِّقَةِ والحِكْمَة. وَاذْكُروا أَنَّ نَجاحَ الإِنْسانِ الحَقِيقِيَّ لا يُقاسُ بِالشَّهاداتِ والمَناصِبِ، بَلْ بِقُدْرَتِهِ على أَنْ يَبْقَى إِنْسانًا صالِحًا وأَمِينًا للهِ، مُحِبًّا للآخَرِينَ.
أَيُّها الأَعِزَّاءُ، إِنَّ العالَمَ يَحْتاجُ اليَوْمَ إلى شَبابٍ يَحْمِلُونَ العِلْمَ، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ أكْثَر إلى شَبابٍ يَحْمِلُونَ الضَّمِيرَ والإِيمانَ والرَّجاءَ والمَحَبَّة. أبْنُوا مُسْتَقْبَلَكُمْ بِالإِجْتِهادِ، ونُفُوسَكُمْ بِالصَّلاة. إسْعَوا إلى النَّجاحِ، لَكِنْ لا تَخْسَرُوا أَنْفُسَكُمْ في طَرِيقِ النَّجاح. إجْعَلُوا الرَّبَّ رَفِيقَ دَرْبِكُمُ الدَّائِم، لأَنَّ الإِنْسانَ قَدْ يَرْبَحُ العالَمَ كُلَّهُ وَيَخْسَرُ نَفْسَهُ. الإنسانُ لا يَجِدُ السَّلامَ الحَقِيقِيَّ إِلّا في الله.
نَسْأَلُهُ أنْ يُباركَكُم وأَنْ يُبارِكَ خُطُواتِكُمْ، ويَفْتَحَ أَمامَكُمْ أَبوابَ الحِكْمَةِ والنِّعْمَةِ، ويَحْفَظَكُمْ في كُلِّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَهُ، لِتَكونوا شُهُودًا لِلحَقِّ والخَيْرِ والجَمالِ والسَّلامِ، أَيْنَما حَلَلْتُم، كما نَسألُهُ أنْ يُبارِكَ مُعَلِّميكُم، الجُنودَ المَجْهولين الذين لَوْلا تَفانيهِم وسَهَرُهُم على تَعْليمِكُم وَصَقْلِ مَواهِبِكُم لَما كُنْتُم واقفينَ اليَوْمَ هُنا، مُزَوَّدينَ بِالعِلْمِ والثَقافَةِ والقِيَمِ والأخْلاقِ ومَحَبَّةِ الوَطَن. تَفانيهِم وصَبْرُهُم وجُهْدُهُم الدَؤوب أوْصَلوكُم إلى ما أنتم عَلَيْه، فَلَهُم باسْمِكُم كُلُّ الشُّكْرِ والتَّقْدير»
24 Ιουνίου, 2026
كَلِمَةُ سِيادَةِ راعي الأَبرَشِيَّةِ المتروبوليت الياس الجزيلِ الاحترام في احتِفالاتِ تخرُّج طلّاب مدارس بيروت الأرثوذكسيّة،
Διαδώστε:

Διαδώστε: