منح البطريرك المسكوني شهادة دكتورة فخرية في رومانيا
تم منح الكلي القداسة رئيس اساقفة القسطنطينية روما الجديدة و البطريرك المسكوني برثلماوس الاول
شهادة الدكتوراه الفخرية
من جامعة ديميتري كانتيمير المسيحية – بوخارست، 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2025 وفي هذه المناسة كان الكلي القداسة كلمة جاء فيها:
صور الجزء الاول
صاحب السيادة متروبوليت تيرغوفيشت المطران نيفن لجزيل الاحترام الممثل الموقر لصاحب الغبطة البطريرك دانيال بطريرك رومانيا،
أصحاب السيادة،
أصحاب المعالي،
الأستاذة الدكتورة كورينا أدريانا دوميتريسكو، رئيسة الجامعة ورئيسة مجلس الشيوخ،
الهيئة التعليمية والطلاب الأفاضل،
أيها السيدات والسادة،
الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح،
نقبل بامتنانٍ عميقٍ وتواضعٍ كبيرٍ هذا الوسام الأكاديمي الرفيع من جامعة ديميتري كانتيمير المسيحية. إننا نقبله ليس بوصفه تكريمًا شخصيًا، بل اعترافًا بالالتزام الدائم للكنيسة الأرثوذكسية عمومًا، وللبطريركية المسكونية خصوصًا، في عمل وخدمة الحوار والمصالحة بين المسيحيين، مؤكدين القناعة العميقة بأن الحركة المسكونية هي محفِّز أساسي للسلام والوئام العالمي.
ونتأثر على نحوٍ خاص بكون هذه المؤسسة التعليمية العليا تحمل اسم الأمير الراحل ورجل الدولة الكبير والعالِم المتميّز ديميتري كانتيمير، الذي درس في «ملكة المدن» في المدرسة البطريركية العظمى للأمة، في حين أن مبنى هذه المدرسة الحالي شُيّد على أرضٍ كانت ملكًا له.
ويسعدنا ويملأنا غبطةً أن نكون مجددًا في رومانيا بدعوةٍ من أخينا في الرب، صاحب الغبطة البطريرك دانيال، للاحتفال بالذكرى المئة والأربعين لمنح الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية استقلالها الذاتي (الأوتوقيفالية)، وبالذكرى المئة لرفعها إلى مقام البطريركية من قبل كنيسة القسطنطينية الأم، وكذلك لمناسبة تكريس فسيفساء كاتدرائية خلاص الشعب.
إن مساهمات صاحب الغبطة في التعليم اللاهوتي وفي الحوار بين الكنائس المسيحية معروفة ومقدَّرة على نطاق واسع، مما يجعل هذا التكريم الممنوح لشخصنا المتواضع علامةً على روابط الأخوّة التي توحِّد كنائسنا في الدعوة المسيحية المشتركة للشهادة والخدمة، أي في المارتيريا (martyria) والديكونيا (diakonia).
المبدأ الذي يُلهم خدمتنا المتواضعة منذ عقودٍ طويلة – والذي يُكرَّم بهذه الدرجة الفخرية بكل لطف – هو خدمة الحوار.
فالحوار، بالنسبة إلينا نحن المسيحيين، ليس استراتيجية سياسية ولا أداة دبلوماسية نفعية، بل هو واجب روحي ولاهوتي، يعكس سرّ الثالوث الأقدس الذي تتعايش فيه الوحدة والتنوّع في شركةٍ كاملة وانسجامٍ تامّ بفضل أولوية المحبّة. وعندما نلتقي بعضنا بعضًا باحترامٍ مصلّي وانفتاحٍ قلبي، وننظر إلى بعضنا كأيقونات حيّة لله الواحد، نشارك في تلك الحياة الإلهية ذاتها، حياة التواصل والعطاء الذاتي.
في حياته الأرضية، مدَّ ربُّنا وإلهُنا ومخلّصُنا يسوع المسيح، الكلمة المتجسّد لله، يديه إلى الجميع، داعيًا الكل إلى الحوار معه، لا سيما أولئك الموجودين على الهامش، سواء بسبب الرفض الاجتماعي والعزلة، أو بسبب الامتياز والسلطة. فقد التقى المسيح جميع الناس من دون تمييز: من المرأة السامرية والمرأة النازفة، إلى البرص والعميان، إلى قائد المئة الروماني والفريسيين، إلى الأمم واليهود، إلى الأبرار والخطأة. وهكذا، فإن الإنجيل المقدّس، في جوهره، هو قصة دخول الله في حوارٍ مع البشرية ومن خلالها، باحثًا لا عن الإدانة، بل عن التحوّل والغفران والخلاص (راجع يوحنّا 3:17).
ومن ثمّ، فإن رسالة الكنيسة ليست سوى إعلان محبّة الله في كل لحظة لقاء، تتجلّى في الحوار وخدمة الله والقريب.
وكما هي الكنيسة، فإن الجامعة أيضًا فضاءٌ للّقاء، حيث تتكوّن العقول وتتحوّل من خلال التفاعل والمواجهة بين الأفكار. وإنّ جامعة ديميتري كانتيمير المسيحية، الحاملة لإرث عالمٍ وإنسانويٍّ عظيم، تُجسّد الحوار الخلّاق بين الإيمان والعقل، والتقليد والتجدّد، والرجاء والعقلانية. فالأكاديمية، بوصفها حاضنة للتفكير النقدي والتعاطف والتمييز الأخلاقي، تؤدّي دورًا حيويًا في تنمية ثقافة الحوار في عالمنا الأوسع.
إنّ التعليم، المرتكز على القيم الروحية والأخلاقية، هو في جوهره ممارسة لصنع السلام وبناء التفاهم، مذكّرًا إيّانا بأن قدرات الإنسان على التفكير والكلام والإصغاء والإبداع والعمل ليست مجرّد أفعالٍ ذهنية، بل هي خيارات أخلاقية ذات تجلّيات واقعية ملموسة.
وفي زمننا هذا المطبوع بالصراعات العالمية والانقسامات العميقة، تدعونا مسيرة البحث عن الحقيقة لا إلى العزلة، بل إلى التعاون — تعاونٍ تتكامل فيه الإيمان والعقل، إذ كلاهما هبةٌ من الله.
منذ الرسالة الدورية لعام 1920 بعنوان «إلى كنائس المسيح في كل مكان»، كان البطريرك المسكوني في طليعة الداعين إلى الحوار، ولا سيّما من خلال الحركة المسكونية الحديثة. وقد سنحت لنا هذا العام الفرصة للاحتفال بأحد أبرز معالم هذه المسيرة: مرور مئة عام على مؤتمر “الحياة والعمل” الذي انعقد في ستوكهولم عام 1925.
لقد فهمنا دائمًا أن الدعوة إلى الحوار والوحدة ليست ترفًا أو خيارًا ثانويًا، بل هي تحقيق لصلاة المسيح:
«لِيَكُونُوا جَمِيعُهُمْ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي» (يوحنا 17:21).
إن مشاركة البطريركية المسكونية في تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام 1948، وفي مختلف الحوارات الثنائية مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والشَّرْكة الأنجليكانية، والاتحاد اللوثري العالمي، وسواها حتى اليوم، هي دليل على سعي كنيستنا إلى عيش نداء المسيح للتلمذة، الذي قادنا في رحلة مسكونية مطبوعة بالأمل والحق والمثابرة.
قد يقول البعض إننا نتقدم ببطء في مسيرتنا المسكونية، وإن الحوار اللاهوتي قد وصل إلى طريق مسدود. غير أنّ علينا أن نتذكر أن الحوار الحقيقي هو حجّ في المحبة، لا مفاوضة على الشروط أو موازنة للمصالح، إذ لو كان كذلك، لكان مناقضًا لطبيعة الإيمان نفسه، بوصفه متجسدًا وديناميًا.
وأثناء مسيرتنا مع الآخر، فإن الصبر والتواضع وصدق الكلمة في جميع الظروف هي شروط لا غنى عنها لأي حوار حقيقي ومثمر.
ولنستعِر هنا كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم:
«نحن لا نغلب إخوتنا بالجدال، بل بالمحبة».
وبالروح نفسها، عبّر البطريرك المسكوني أثيناغوراس عن نهج مماثل حين قال للبروفسور أوليفييه كليمان:
«أؤمن أن كنيستنا الأرثوذكسية هي الشاهدة الأمينة والمقدسة للكنيسة غير المنقسمة. ولكن الحوار اللاهوتي الحقيقي يجب أن يبدأ داخل حوار المحبة، داخل سرّ الكنيسة الذي نتشاركه بكل أبعاده الأساسية».
وفي هذا السياق، نشعر بتشجيعٍ عميق إزاء تنامي العلاقة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، بدءًا من اللقاء النبوي في أورشليم عام 1964 بين سلفنا المثلث الرحمات البطريرك المسكوني أثيناغوراس وقداسة البابا بولس السادس، وصولًا إلى الزيارة المرتقبة لقداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى تركيا الشهر المقبل.
وسيكون هذا اللقاء الأخوي، بعون الله، فرصة للفرح والاحتفال بجذور إيماننا المشترك، إذ نحيي الذكرى الـ1700 لانعقاد المجمع المسكوني الأول في نيقية، وكذلك عيد شفيع الكنيسة الكبرى في القسطنطينية، القديس أندراوس الرسول الأول المدعو.
ومع استمرار الحوار اللاهوتي، فإن التزامنا المشترك بمواجهة تحديات عالمنا اليوم يشكّل علامةً صادقة على رغبتنا في خدمة المسيح والشهادة له معًا.
وفي مسيرتنا المشتركة، سنواصل إلقاء الضوء على الأزمة البيئية المعاصرة معًا، والاستجابة لمعاناة المهاجرين معًا، والدفاع عن كرامة كل إنسان معًا.
إن هذه المسيرة المسكونية المشتركة ليست سوى ظهور صغير لملكوت الله وهو يخترق التاريخ.
أيها السيدات والسادة، أيها الإخوة والأخوات الأحبّة في المسيح،
لقد حافظت البطريركية المسكونية على خدمتها للوحدة والمجمعية طوال قرون، داخل الكنيسة الأرثوذكسية وخارج حدودها الكنسية.
وإذ تقع جغرافيًا ولاهوتيًا على مفترق الشرق والغرب، فقد تعلمت الكنيسة الأم في القسطنطينية أن تعيش في الحوار، ضرورةً واقتناعًا.
حتى في أشدّ الظروف قسوة وصعوبة، لم تكفّ البطريركية المسكونية عن مدّ يد الصداقة إلى سائر المسيحيين، وإلى أتباع الديانات الأخرى، وإلى كل أصحاب النوايا الحسنة، كما أكّد على ذلك المجمع الأرثوذكسي الكبير والمقدس الذي انعقد في جزيرة كريت في حزيران 2016.
وإذ نتسلّم هذا الوسام الأكاديمي الرفيع، نتذكّر أن الحوار ليس مثلاً تجريديًا بل فعلًا ملموسًا من الرجاء.
ففي عالمٍ يزداد انقسامًا وخوفًا وعزلة، يظل الحوار لغة المصالحة، لغة القيامة.
لِيَكُن هذا التكريم من جامعة ديميتري كانتيمير المسيحية مصدرَ إلهامٍ لنا جميعًا لتجديد التزامنا بخدمة الحوار وانضباطه.
فلنَعمل معًا – الكنيسة والجامعة، الإكليروس والعلمانيون، العلماء والطلاب، المؤمنون وجميع أصحاب النوايا الحسنة – لبناء حضارة المحبة والسلام، حيث يُنير الإيمانُ العقلَ، ويعمّق العقلُ الإيمانَ، من خلال الحوار.
فكما يقول الرسول بولس الإلهي:
«وَلكِنْ كُلُّ شَيْءٍ هُوَ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ»
(2 كورنثوس 5: 18-19).
ومن أعماق قلوبنا نشكرُكم مجددًا على هذا الشرف العظيم، ونصلّي كي يبارك الرب هذه المؤسسة وطاقمها وأساتذتها وطلابها والشعب الروماني الحبيب، ويمنحكم الحكمة والسلام و”كل عطيةٍ صالحةٍ كاملةٍ من فوق”.
شكرًا لكم على حسن إصغائكم!
H αναδημοσίευση του παραπάνω άρθρου ή μέρους του επιτρέπεται μόνο αν αναφέρεται ως πηγή το ORTHODOXIANEWSAGENCY.GR με ενεργό σύνδεσμο στην εν λόγω καταχώρηση.
Ακολούθησε το ORTHODOXIANEWSAGENCY.gr στο Google News και μάθε πρώτος όλες τις ειδήσεις.










