كلمات وخواطر – الكنيسة الأنطاكية وذاكرة النظام – ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
هذه الكلمات والخواطر وإن كانت تختص بكنيسة أنطاكية الأرثوذكسية (كما يظهر في الصورة التي نُشرت على موقع كلمات وخواطر) غير أنها في كثير منها تنطبق على مواقف كثير من الكنائس أرثوذكسية وغير أرثوذكسية.
لا تعيش المؤسسة الكنسية خارج التاريخ، ولا تبقى بمنأى عن الثقافة السياسية للمجتمع الذي تعمل فيه. فالأنظمة لا تؤثر في الإدارة العامة وحدها، بل تنتج مع الزمن ثقافة للسلطة: كيف تُمارس، وكيف يُنظر إلى الاختلاف، وما المسافة المسموح بها بين الطاعة والحرية، وبين المركز والمشاركة. والخطر يبدأ عندما تتسلل هذه الثقافة إلى الكنيسة، فتستعير المؤسسة الكنسية، من حيث لا تدري أحيانًا، أدوات النظام الذي عاشت طويلًا في ظله.
تظهر هذه المسألة بوضوح في التجربة الأنطاكية بين سوريا ولبنان. فالكنيسة واحدة، وإكليزيولوجيتها واحدة، لكن البيئتين السياسيتين اللتين عاشت فيهما كانتا مختلفتين إلى حد بعيد، وترك هذا الاختلاف أثره في الثقافة الكنسية وفي طريقة ممارسة السلطة داخلها.
في سوريا، عاشت الكنيسة عقودًا طويلة في ظل نظام شديد المركزية، تضيق فيه مساحة الاعتراض وتخضع الحياة العامة لرقابة واسعة. وفي مثل هذه البيئة يصبح الحذر وسيلة للبقاء، والصمت أحيانًا أداة للحماية، والعلاقة الجيدة مع السلطة ضرورة لحماية الجماعة ومؤسساتها.
يمكن فهم هذه البراغماتية تاريخيًا ورعائيًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول آليات البقاء، التي فرضتها ظروف استثنائية، إلى ثقافة دائمة داخل المؤسسة نفسها.
فالمركزية السياسية يمكن أن تجعل المركزية الكنسية تبدو طبيعية، والخوف من الاختلاف في المجتمع يمكن أن يتحول إلى خوف من الاختلاف داخل الكنيسة، والطاعة المطلوبة من المواطن يمكن أن تختلط تدريجيًا بالطاعة الكنسية، حتى يصبح الاعتراض على قرار إداري اعتراضًا على الكنيسة نفسها، ويصبح الولاء للأشخاص بديلًا من الولاء للمؤسسة.
وهكذا قد تنتقل الكنيسة، من دون قرار معلن، من ثقافة الشركة إلى ثقافة الولاء؛ ومن المشاركة إلى انتظار القرار؛ ومن المجمعية إلى إدارة شديدة المركزية تحيط بالقيادة دوائر من الأشخاص والتجمعات التي تستمد حضورها من قربها من مركز القرار أكثر مما تستمده من مؤسسات واضحة ومسؤوليات محددة.
أما في لبنان، فقد أنتجت البيئة السياسية واقعًا مختلفًا. فالتعددية والحريات النسبية سمحت للإكليروس والعلمانيين بمساحات أوسع للتعبير والاعتراض، وظهرت شخصيات كنسية قادرة على اتخاذ مواقف مستقلة، بما في ذلك تجاه السلطة السياسية نفسها.
لكن النموذج اللبناني ليس مثاليًا بدوره. فكما أنتج حرية أكبر، حمل إلى الحياة الكنسية بعض أمراض النظام اللبناني نفسه: الشخصانية، والزبائنية، والتسييس، والانقسامات، وتحويل التعددية أحيانًا من غنى إلى تنازع.
ولذلك فإن الكنيسة ليست مدعوة إلى الاختيار بين النموذج السوري والنموذج اللبناني. فهي ليست دولة شمولية لكي تستعير ثقافة المركزية والطاعة منها، وليست نظامًا سياسيًا ليبراليًا لكي تستنسخ آلياته.
الكنيسة لها إكليزيولوجيتها الخاصة التي يفترض أن تحدد طبيعة السلطة فيها. بحيث تقوم على سلطة أسقفية حقيقية، ولكنها تمارس داخل الشركة. وقيادة فعلية، ولكنها لا تلغي المشاركة. وطاعة كنسية، ولكنها لا تتحول إلى إلغاء للضمير. ومجمعية لا تجعل الأسقف مجرد ممثل لجمهور، لكنها تمنعه في الوقت نفسه من التحول إلى مركز وحيد للمؤسسة.
هذه ليست استعارة لمفاهيم سياسية أو إدارية حديثة وإسقاطها على الكنيسة. إنها عودة إلى السؤال الإكليزيولوجي الأساسي: كيف تعبّر الكنيسة في طريقة إدارتها عن حقيقة أنها جسد وشركة وليست هرمًا للسلطة؟
فالكنيسة لا تحتاج إلى الاختيار بين الشجاعة والحكمة، ولا بين قول الحق وحماية وجودها. تحتاج إلى أن تستعيد دورها النبوي من دون أن تخسر وحدتها.
منقول باختصار
مطرانية إرموبوليس (طنطا وتوابعها) مصر
H αναδημοσίευση του παραπάνω άρθρου ή μέρους του επιτρέπεται μόνο αν αναφέρεται ως πηγή το ORTHODOXIANEWSAGENCY.GR με ενεργό σύνδεσμο στην εν λόγω καταχώρηση.
Ακολούθησε το ORTHODOXIANEWSAGENCY.gr στο Google News και μάθε πρώτος όλες τις ειδήσεις.










