13/05/2026 13/05/2026 المؤتمر اللاهوتيّ الدوليّ حول إرث الأرشمندريت إميليانوس السيمونوبتريتي أثينا، 8-10 أيار 2026 القدّاس الإلهيّ التربية اللاهوتيّة والكنسيّة في فكر الشيخ إميليانوس للمتقدّم في الكهنة أثناسيوس تساووسيس من أبرشيّة ميسوغايا ولافريوتيكي مساعد مدبّر أمطش الصعود الإلهيّ التابع لدير سيمونوبترا في فيروناس – أثينا الأحد الخامس بعد الفصح – أحد السامرية، 10 أيار 2026 كانت حياة الشيخ...
13 Μαΐου, 2026 - 13:19

المؤتمر حول إرث الارشمندريت إميليانوس – ورقة الاب اثناسيوس تساوسي

Διαδώστε:
المؤتمر حول إرث الارشمندريت إميليانوس – ورقة الاب اثناسيوس تساوسي

المؤتمر اللاهوتيّ الدوليّ حول إرث الأرشمندريت إميليانوس السيمونوبتريتي
أثينا، 8-10 أيار 2026

القدّاس الإلهيّ
التربية اللاهوتيّة والكنسيّة في فكر الشيخ إميليانوس
للمتقدّم في الكهنة أثناسيوس تساووسيس من أبرشيّة ميسوغايا ولافريوتيكي
مساعد مدبّر أمطش الصعود الإلهيّ التابع لدير سيمونوبترا في فيروناس – أثينا
الأحد الخامس بعد الفصح – أحد السامرية، 10 أيار 2026
كانت حياة الشيخ إميليانوس كلّها أشبه بيوم أحد دائم. لم تكن لديه أيّام عاديّة. كان زمنه، قبل كلّ قدّاس إلهيّ وبعده، زمنًا غير منقسم ولا منفصل عن القدّاس الذي أتمّه للتوّ أو الذي كان يستعدّ لإقامته.
ومن خلال ما سمعناه في الأيام الماضية، في المحاضرات القيّمة والمتعمّقة السابقة، تبيّن لنا أنّ الشيخ إميليانوس كان يتكلّم بصفته لاهوتيًّا للحقيقة الـمُعاشة، لا للمعرفة النظريّة التاريخيّة البحثيّة. فكلامه أصيل، لأنه يعبّر ويُظهر، والأهمّ أنّه “يُشرك” الآخرين في خبراته الروحيّة.
ستعتمد مداخلتي على “أحاديث تعليمية” شفويّة للشيخ. وكما نعلم، لم ينصرف إلى تأليف رسائل أو مقالات حول أيّ موضوع، ولا سيّما حول القدّاس الإلهيّ. فقد قامت الأخويّتان الرهبانيّتان – أخويّة سيمونوبترا وأخويّة دير البشارة في أورميليا في خالكيديكي – بتفريغ هذه الأحاديث ونشرها ببركته، قبل أن تتدهور صحّته ويدخل في صمته الطويل.
وبعد مرور الزمن، يمكننا أن نفسّر هذا الموقف منه، أي عدم كتابته، بأنّه كان يؤمن بأنّ موضوعات الإيمان والنسك والحياة الروحيّة والعباديّة، تُعاش أكثر مـمّا تُصاغ كتابةً.
في البداية، سأحاول أن أشير بإيجاز شديد إلى بعض الخبرات الشخصيّة التي عشتها في ميتيورا خلال سنوات شبابي، بين 1963 و1973، عندما كنتُ أشارك في القداديس التي كان الشيخ إميليانوس يقيمها في كنيسة دير “الميتيورا الكبير” وفي كنائسه الصغيرة.
كان الشيخ معتادًا أن يقيم القدّاس قرب منتصف الليل. وكان عدد المشاركين قليلًا: أوّل راهبَين من جماعته وبعض الطلّاب الزائرين من المرحلة الثانويّة. كنّا جميعًا نشارك في الخدمة الطقسيّة، فمنّا مَن كان يرتّل، ولو مبتدئًا، ومنّا مَن يخدم في الهيكل.
كان نور الكنيسة خافتًا، مصدره قناديل صغيرة أمام الأيقونات، وسراجان على المذبح، وآخر عند المائدة الجانبيّة. أمّا نبرة الكاهن في التلاوات والصلوات فكانت هادئة وثابتة، ولفظه واضحًا، وصوته ذا طابع خاص، يطبع نفسه في داخلنا بحيث أستطيع أن أميّزه بين آلاف الأصوات دون تردّد.
كان جوّ كل قدّاس مفعَمًا بالخشوع. ولأنّ الشيخ كان أحيانًا يدعوني للخدمة في الهيكل، أستطيع أن أؤكّد أنّني لم أرَه قطّ يتحدّث عن أمور دنيويّة أو يبتسم لسذاجتي الشبابيّة أثناء الخدمة، لكنّه أيضًا لم يكن صارمًا أو بعيد المنال. كان وجهه دائمًا وديعًا ومضيئًا وهادئًا، ونظره مركّزًا على الأسرار المقدّسة. وكان يوجّهنا بكلمات قليلة أو بإشارات بسيطة إلى ما ينبغي فعله داخل الهيكل.
لم تكن هناك حركات متسرّعة، ولا تراخٍ أو نعاس. فالقدّاس كما كان يقيمه الشيخ كان يتمتّع بإيقاع وتناسق بين ما يفعله هو ككاهن، وما يقوله أو يرتّله المرتّلون المتدرّبون.
وأذكر أيضًا أنّه لم تكن هناك أحاديث أو تعليقات لا قبل القدّاس ولا بعده مباشرة. وفي هذا الجوّ، كنّا نستطيع أن نبقى في المناخ الروحيّ للقدّاس دون أن يتشتّت ذهننا إلى أمور أخرى. كلّ شيء كان يجري في صمت. وبعد انتهاء الخدمة، كنّا نغادر بهدوء، وفي وقت محدَّد كان الشيخ يدعونا إلى لقاء روحيّ ليتحدّث إلينا عن موضوعات روحيّة مختلفة أو يجيب عن أسئلتنا.
لكنّني سأتوقّف هنا عن ذكرياتي الشخصيّة لأنّ وقت المداخلة محدّد، ولأنّه قد تُعتبر هذه الخبرات خارج الموضوع. ومع ذلك، فإنّ ما سأورده لاحقًا هو أيضًا مزيج من خبرات ومحادثات مع الشيخ إميليانوس وما قرأته في كتبه المنشورة.
أوّلًا: لاهوت سرّ القدّاس الإلهيّ
“إنّ العمق اللاهوتيّ للقدّاس الإلهيّ يمكن قياسه جزئيًّا، لكنّه في الوقت نفسه غير قابل للقياس”.
وقبل كلّ شيء، ماذا كان يعني “اللاهوت” بالنسبة إلى الشيخ إميليانوس؟
من دون أن يقلّل من قيمة المقاربة الأكاديميّة والعلميّة والمنهجيّة – بل نعلم أنّه كان باحثًا عميقًا ومحبًّا للعلم اللاهوتيّ – وكان يشجّع أبناءه الروحيّين على دراسته، كان يقول: “اللاهوت هو الحديث مع الله، وهو غاية الجهاد الروحيّ. وعندما يتحقّق كخبرة حياة، يمكنه حينئذ أن يصير كلامًا وتعليمًا”.
وكان يقول إنّ حياة الكنيسة وعملها ليست إلّا نقل خبرات ومحبّة أولئك الذين أحبّوا الله ورأوه وتحدّثوا معه، إلى المؤمنين.
أمّا القدّاس الإلهي، فكان يرى في كلّ فعل كنسيّ، وفي كلّ خدمة مقدّسة، “ليتورجيا” (خدمة إلهيّة). فهو سرّ الحضور الإلهيّ واحتضان المؤمن والله أبيه، لا بشكل فرديّ بل كجسد متعدّد الوجوه، جسد أعضاؤه متّحدة ببضعها ومتناغمة، كشعب الله. لذلك، لا يقتصر مفهوم “الليتورجيا” على سرّ الإفخارستيّا فقط، بل يشمل كلّ اجتماع لشعب الله الذي يريد أن يعبّر فيه، بروح التضحية، عن عبادته المليئة بالامتنان، أو تسبيحه لله الممتلئ فرحًا، أو شكره إيّاه.
وإذ لم يكن بوسعي أن أعي مقدار هذا الوسع اللاهوتيّ لدي الشيخ بشأن الأسرار، وبشأن تناغمنا العباديّ مع الله، سألته وذات مرّة: “ما هي أقدس لحظة في القدّاس؟ هل هي لحظة تقديس القرابين؟”، فأجاب فورًا: “كلّ شيء وكلّ شخص يتقدّس طوال مدّة القدّاس”. أيّ أنّ النعمة التقديسيّة تشمل كامل الخدمة، وأنّ تقديس القرابين يتمّ خلال مجمل السرّ، الذي يوحّد ما يحدث الآن في الكنيسة بما سيتمّ في ملكوت الله.
كثيرًا ما كان يقول بشأن الخدمة الليتورجيّة: “القدّاس الإلهيّ هو صلاة متجسّدة بالفعل، كلام وفعل بتآلف معًا”. كان يسطّر أنّ الخدمة الليتورجيّة هي مشاركة عمليّة حيّة ولا يمكن اختصارها بفهم عقلانيّ أو قياسها كبُعد فلسفيّ. هذا لأنّ الأقوال والأفعال تتكامل معًا في وحدة “الآن والأبديّة”، في وحدة الحاضر والآخرة.
في سعيه لشرح الخدمة الليتورجيّة، أو بالأحرى لاستقصاء بُعدها اللاهوتيّ، كان يشدّد على أنّه، بقولنا “مباركة هي مملكة الآب…”، يبدأ صراع النفس مع الله، وصراخ الخليقة نحو خالقها. هكذا، وبشكل سريّ، داخل سحابة “الآن والأبديّة”، ومن خلال استدعاء الروح القدس، تتقدّس الجماعة كلّها، وحتّى لو اجتمع اثنان أو ثلاثة (باسمه) بحسب قول الربّ. فكلّ المشاركين في الخدمة، مع رئيس الكهنة المسيح المقرِّب والمقرَّب -الحمل الذبيح-، يتقدّسون سرّيًّا، ولكن فعليًّا، نفسًا وجسدًا، بينما تتقدّس القرابين أيضًا. وكان يضيف: “الخدمة الليتورجيّة تشخصن الله وتجعله حاضرًا بيننا”. فالقدّاس يوحّدنا بالله ويجعلنا أعضاء في جسد المسيح، لا بل تجعلنا “مسحاء”، كما قال في إحدى عظاته.
ويضيف: “أَتعلمون بأيّة عظمة ستمتلئ نفسنا إذا ما أدركنا هذا الأمر؟ أَتعلمون كم سيتغيّر موقفنا فورًا، نظرتنا، قلبنا، انتباهنا في العبادة، لا سيّما في القدّاس، إذا ما أدركنا وأدرك كلّ واحد منّا أنّه “أنا المسيح”؟ فالمسيح المتواضع يختبئ في الخبز والخمر اللذَين نقدّمهما نحن. ولكن انتبهوا، فالقول بأنّ المسيح حاضر في القربان لا يعني أنّه ليس حاضرًا في كلّ مكان، أو أنّه ليس حاضرًا أيضًا في أيّ كنيسة أخرى أو أي اجتماع في رعيّة أخرى. وكوني “أنا المسيح” لا يعني أنّ قريـبي ليس هو أيضًا المسيح. فكلّ واحد منّا يستطيع أن يقول: “أنا المسيح”. وإذا أدركتُ أننّي “أنا المسيح”، فسترون أنني أمتلئ فورًا بفرح عظيم، بفرح الروح القدس، الذي هو ملء فرح المسيح والثمرة الملازمة لحضوره. فحيث يكون المسيح، هناك الابتهاج وهناك الفرح”.
ومنذ اللحظة التي يُدخلنا فيها القدّاس الإلهي إلى الملكوت المبارك، إلى شركة الثالوث القدوس، فيما الملائكة الذين يخدمون السرّ يتقدّمون وهم ينشدون بلا انقطاع التسبحة الثلاثيّة التقديس، فإنّنا نحن المؤمنين نتشوّق إلى الوصول أمام المائدة المعدّة، لكي نتمتّع بضيافة السيّد، ونتذوّق المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات.
ونرى في كثير من تعاليم الشيخ إميليانوس أنّه، بينما كان يشرح نصوصًا نسكيّة آبائيّة مختلفة عن الحياة الروحيّة، مثل كتابات القدّيس نيلوس الكالابريّ أو الأنبا إشعيا، كان يعود دائمًا إلى القدّاس الإلهيّ ويعلّق قائلاً: “إنّ قبول نعمة الله ومشاركتنا الحقيقيّة في حياة الله يتحقّقان في القدّاس الإلهيّ”. وفي موضع آخر يصبح أكثر حزمًا إذ يقول: “من دون القدّاس الإلهي يستحيل أن تعمل صلاة المؤمن، أو أن يتحقّق أيّ تقدّم في الحياة الروحيّة”.
هذه المقاربة اللاهوتيّة للنصوص الآبائيّة وإشارته العميقة إلى التقليد الليتورجيّ، قد انتبه إليها المثلث الرحمات الأسقف أثناسيوس يِفتيتش، أحد كبار أساقفة الكنيسة الصربيّة، الذي، بعدما قرأ تفسير الشيخ إميليانوس لنصوص القدّيس إسيخيوس الكاهن، قال للأب سيرابيون – وكان آنذاك مدبِّرًا لدير أورميليا: “يا أبتي، إنّ ما يشرحه ويبلوره الشيخ إميليانوس أهمّ من نصّ القدّيس إيسيخيوس نفسه”.
وبطريقة مماثلة، يشير أيضًا المثلث الرحمات كاليستوس وير، متروبوليت ديوقليا، في مقدمته لكتاب العظات التفسيريّة على القدّيس إيسيخيوس بعنوان: “كلمة حول اليقظة. تفسير لكتابات القديس إيسيخيوس”، إذ يكتب: “اقرأْ القدّيس إيسيخيوس، ولكن فيما تقرأ، ليكنْ تفسير الأرشمندريت إميليانوس مفتوحًا أمامك على الطاولة”.
ثانيًا: ميستاغوجيا القدّاس الإلهي
أودّ أن أركّز، بصورة خاصّة، وأن أُبرز بعض العناصر التي تشكّل جوهر فكر الشيخ إميليانوس فيما يتعلّق بميستاغوجيا الإفخارستيّا الإلهيّة.
أ) الاستعداد للقدّاس
كان الشيخ يعطي أهميّة كبيرة للاستعداد الروحيّ والنفسيّ للقدّاس، للكهنة والرهبان والعلمانيّين على السواء.
كان مؤمنًا بأنّ عنصر الاستعداد هذا يلعب دورًا أساسيًّا وجوهريًّا في القدّاس، إذ يقول: “اسعوا إلى استعداد نفسيّ وروحيّ. يجب أن تكونوا هادئين وودعاء، وألّا يكون في الضمير، خصوصًا ضمير الكاهن، أي شيء يدينه”.
إنّ الاستعداد للقدّاس الإلهيّ، أو بالأحرى «التهيّؤ» -وهو التعبير الأدقّ- هو خبرة متواصلة لا تفصل بين ما قبل وما بعد. إنّه جهاد إنسانّي دائم ومؤلم، تُكمله وتُتمّمه نعمة الروح القدس. وهو حالة واحدة مترابطة بالصلاة وبالحياة الروحيّة اليوميّة كلّها، التي تجد كمالها في الاشتراك بالإفخارستيّا الإلهيّة.
وعنصر آخر من عناصر الاستعداد، بحسب الشيخ، هو: “جمع الفكر والقلب في داخلنا، لأنّنا في داخلنا سنجد ملكوت الله، وهناك ينبغي أن نضمّ الكنيسة كلّها. يجب أن تصير كلّ الأشياء موحَّدة في داخلنا. لا عقل منقسم، ولا ضمير منقسم، ولا قلب منقسم، بل تركيز كامل”.
وهذا الاستعداد ينبغي أن نسعى إليه في كلّ قدّاس إلهيّ، ولكن لا كعمل آليّ أو جهد عقليّ صرف. وكان يقول: “ليكنْ عفويًّا، بسيطًا، روحيًّا بطبيعته وطبيعيًّا بروحيته، في وقوفنا اليوميّ أمام الله”.
وربّـما من المفيد أن أقول هنا إنّ التهيّؤ للقدّاس الإلهيّ، بحسب تعليم الشيخ، ليس مجرّد أمر ضروريّ، بل أمر جوهريّ، سواء تناول الإنسان من الأسرار المقدسة أم اكتفى بحضور الصلاة. يكفي أن يحمل في داخله الوعي بأنّه عضو في جسد الكنيسة الذي رأسه المسيح، وأنّه حتّى وإن لم يتناول، يستطيع أن يشترك فعليًّا في التقديس.
وعندما كان يتحدّث خصوصًا عن استعداد الكهنة للإفخارستيّا، كان يشير أيضًا إلى الخدمة القصيرة المسمّاة “الكيرون”. وهذه الخدمة ليست مجرّد مقدّمة طقسيّة أو شكليّة، بل هي إدراك دخولنا في زمن ملكوت الله. إنّها انتقال من الزمن العابر إلى الأبديّة، وامتلاء زمن السكنى مع الكلمة المتجسِّد.
كما كان الشيخ إميليانوس يعتبر من عناصر الاستعداد أيضًا الصلوات الاثنتَي عشرة التي يقرأها الكاهن بانتباه أثناء تلاوة المزامير الستّة (في خدمة السحر)، سواء من أجل نفسه أو من أجل المؤمنين. وكان يقول إنّ مضمون هذه الصلوات يشعّ في كامل حياة الكاهن الروحيّة، ولا سيّما في خدمته الليتورجيّة. فالكاهن، من خلال هذه الصلوات، يتضرّع إلى الله الآب من أجل جميع المؤمنين لكي يستحقّوا رحمته، ويستطيعوا أن يعبدوه ويمجّدوه ويسجدوا له “بخوف ومحبّة”.
وفي الوقت نفسه، ينبغي للمؤمنين أن يصغوا بصمت وانتباه إلى المزامير الستّة (في خدمة السحر). وكان الشيخ يؤكّد مرارًا أنّ “المزامير الستّة” تشكّل عنصرًا أوّليًّا وأساسيًّا في التهيئة والوعي الروحيّ، لأنّ المؤمنين، من خلال مضمون هذه المزامير، يدركون «منفى» الإنسان الأول من الفردوس ومأساة ابتعاده عن الله الآب. وفي الوقت نفسه يعيشون هُم أيضًا، بالتوبة والتواضع، حالتهم المشابهة، طالبين لأنفسهم الغفران والمصالحة والعودة إلى الشركة معه.
وهكذا، سواء الكاهن أو كلّ مؤمن، “حين يدخل الكنيسة من أجل القدّاس الإلهيّ، ينبغي أن يشعر بأنّه ذاهب ليتحدّث مع الله، ومنذ تلك اللحظة يقف فعلًا أمامه”.
ولهذا السبب، فإنّ الكاهن أثناء خدمته لا يتحدّث مع أحد، لا عن أمور يوميّة ولا حتّى عن مسائل عمليّة تخصّ اللّحظة. فالكاهن في الكنيسة يصلّي باسم الشعب ومن أجل الشعب، وكلّ ما يقوم به له غاية محدّدة ومعنى خاصّ.
وخلال القدّاس، يجب على الكاهن أن يكون ذا “عقل غير مشتّت”، أو كما يقول الشيخ «عقل بلا أفكار»، أي فارغ من الانشغالات الذهنيّة. فلا ينشغل ذهنه بالهموم والشجون المختلفة. أمّا الطلبات المتعلّقة بالحياة اليوميّة -من أجل السلام واعتدال الطقس والمسافرين والمرضى والمتألّـمين والمحتاجين- فإنّه يسلّمها بالصلاة إلى الله نفسه عندما يقول: “لنودعْ أنفسنا وبعضنا بعضًا وكلّ حياتنا المسيح الإله”.
ومن شروط الاستعداد الأخرى للقدّاس، بحسب الشيخ، هي الصلاة، وكان يوضح قائلاً: “الصلاة الروحيّة هي طلب انسكاب الروح القدس من أجل تقديس ووحدة أعضاء الجماعة، لا الانشغال بمسائل القلب والفكر والرغبات والإرادة والانفعالات. فالصلاة الشخصيّة أو صلاة العقل شيء، والصلاة في الجماعة الليتورجيّة شيء آخر”.
وكان يقول أيضًا إنّ لوم الذات بتواضع هو شرط أساسيّ للمشاركة في القدّاس، ولكن ليس كصرخة ضدّ النفس أو كراهية لها. لأنّ الإنسان عندما يتواضع ويوبّخ نفسه، يمتلئ بالله. وكان يقول لنا نحن الشباب ببساطة: “قد يكون لدى الآخرين رأي أو تقدير عنك، أمّا أنتَ فلا تكن لديك أي فكرة عن نفسك”.
ومن عناصر الاستعداد أيضًا لجميع المؤمنين، إكليروسًا وعلمانيّين، القراءة الشخصيّة للنصّ الإنجيليّ الذي سيُتلى في القدّاس. فمن الجيّد للكاهن ولكلّ مؤمن، قبل الذهاب إلى الكنيسة، أن يقرأ إنجيل اليوم التالي بعناية. فالإنجيل في كلّ اجتماع ليتورجيّ ليس مجرّد مقطع نصّيّ أو إضافة إلى صلوات القدّاس، بل إنّ الإنجيل، عندما يُقرأ في الاجتماع الليتورجيّ في “الآن” الحاضر، يجعل الله-الكلمة حاضرًا، ويواصل كشف سرّ تجسّد كلمة الله في الزمن على الأرض، ويعكس في الوقت نفسه الحالة الأبديّة الفائقة للأزمنة الأخيرة.
ب) إقامة القدّاس والمشاركة فيه
كان الشيخ إميليانوس، تعليقًا على سؤال طرحتْه إحدى الراهبات في لقاء للأخويّة حول القدّاس الإلهي، يقول: “القدّاس الإلهي هو أكثر أجزاء اجتماعنا العباديّ قربًا وألفةً وراحةً، وهو الذي يستطيع الإنسان بسهولة أكبر أن يفهمه، وأن يفرح به، وأن يحتفل به ويعيشه ويستوعبه ويتناوله كلّه، لا الخبز والخمر فقط. ففي القدّاس الإلهيّ تعيش حضور المسيح نفسه، الذي يدعونا جميعًا وبشكل شخصيّ إلى لقاء معه”.
وكان يقول إنّ المشاركة في القدّاس الإلهي لا تقتصر على الحضور أو المتابعة فقط، بل تكتمل أساسًا بالحضور الفعليّ والاشتراك في “الكأس المشتركة”. وكثيرون مـمّن عرفوا الشيخ إميليانوس وعاشوا معه، ما زالوا يذكرون إجابته المميّزة عندما كنّا نسأله إن كان لدينا بركة للتناول في قدّاس اليوم التالي مثلًا، فكان يجيب بسؤال: “هل لديك فرح يا ولدي؟”.
وأذكر أنّنا كنّا نستغرب هذا الشرط الغريب بحسب عقليّة عصرنا وسنّنا آنذاك. لكنّنا أدركنا لاحقًا أنّ هذا الجواب كان يحمل معاني كثيرة. فقد كان يُبرز القضيّة العميقة للاستعداد للتناول، لأنّ وجود الفرح كان يعني أنّ عقل الإنسان وقلبه المرتقِّب للتناول، مكرّسان فعلًا ومتّصلان بطلبه للمسيح، الذي يمنح فرحه الحقيقيّ، الفرح الذي يملأ كلّ شيء.
وكما ذكرتُ سابقًا، كان الشيخ يفضّل إقامة القداديس الليليّة، شأنه شأن كثير من قدّيسي كنيستنا، وكان يبرِّر هذا التفضيل بأنّ النفس تطلب الله بعمق أكبر في ساعات الهدوء وغياب التشويش، كما نسمع في صلوات السحر: “من الليل تبكر روحُنا إليك…”. (الإفشين الثاني)، وكذلك: “اذكرْ يا ربّ الساهرين والمرتّلين لمجد ابنك الوحيد…” (الإفشين الخامس)، أو: “اذكرْ أيضًا الذين يصرخون إليك في الليل، استجبْ وارحمْ… واقبلْ طلباتنا وعباداتنا الليليّة…” (الإفشين السادس).
وفي لقاء تعليميّ آخر لأخويّة سيمونوبترا، تحدّث الشيخ عن الاستعداد للقدّاس الليليّ، معبّرًا في الحقيقة عن خبرته الشخصيّة وشوقه الحارّ إلى لقاء المسيح وثباته الكامل في هذا الشوق، فقال: “اتّفقنا منذ المساء مع أحد الرهبان أن نقيم قدّاسًا ليليًّا. ومنذ تلك اللحظة دخلتُ في جوّ القدّاس ولم أخرجْ منه إطلاقًا، لا في نومي ولا في يقظتي. وبعد الاتّفاق على القدّاس رأيتُ بعض الرهبان الآخرين. باركتُ أحدهم، وعاتبتُ آخر، ووبّختُ آخر، لكنّني لم أخرج أبدًا من الجوّ العباديّ. ولم يتوقّف ذهني ولو للحظة عن أن يكون في القدّاس المرتقَب. ولم تغبْ عن فكري هذه الجماعة الليتورجيّة التي شعرتُ أنّني دخلتُ فيها بالفعل، ولم يتوقّف ضميري عن الإحساس بمسؤوليّته في الوقوف أمام الله” (العبادة الإلهيّة، انتظار الله ومعاينته. إصدار أورميليا، 2021، ص. 139-140).
ومن هذا الموقف وحده نستطيع أن ندرك أنّ دعوة الشيخ إلى التركيز والمشاركة في القدّاس الإلهي كانت بالنسبة إليه أمرًا أساسيًّا وضروريًّا، وعلامة على الحساسيّة الروحيّة والنضج الروحيّ.
ويتّضح مـمّا سبق أنّ الشيخ كان يركّز على الاستعداد الروحيّ الشامل أكثر من تركيزه على التحليل المعرفيّ للنصوص الليتورجيّة. وكما هو معروف، جرتْ عبر الزمن محاولات لترجمة القدّاس الإلهيّ إلى اليونانيّة الحديثة بهدف تقريب معانيه وفهمه منطقيًّا. أمّا الشيخ إميليانوس، فمع أنّه لم ينتقد هذه المحاولات أو يعلّق عليها، إلّا أنّه لم يكنْ يرى أنّ ترجمة النصوص ضروريّة للمشاركة في القدّاس، وكأنّ نقلها إلى لغة حديثة سيضيف شيئًا جوهريًّا. بل كان يفضّل المقاربة اللاهوتيّة والروحيّة على المقاربة اللغويّة العقليّة. فكان يشرح القدّاس الإلهيّ وسائر النصوص الليتورجيّة -من قوانين وقناديق وطروباريّات- انطلاقًا من غنى التقليد العباديّ، لكي تغتني الحياة الروحيّة من خلالها وتتّجه في الوقت نفسه نحو ما يوحّد وما هو جوهريّ، أي نحو الإفخارستيّا الإلهيّة.
ثالثًا: التربية الكنسيّة
أ) التربية الروحيّة عامّة
كما ذكرتُ سابقًا، لم يكن لدى الشيخ إميليانوس منهجٌ ثابت أو “دليلٌ للتربية الروحيّة”. كان ينظر إلى كلّ مَن يقترب منه بوصفه شخصًا فريدًا، وبحسب ذلك كان يتعامل معه ويعلّمه. وبدل أسلوب التوجيه العام والجماعيّ، كنّا نشعر أنّ وجودنا بقربه هو دعوة شخصيّة، بحسب القول الإنجيليّ: “تعالَ وانظر”.
ومن اللافت أنّ كثيرين مـمّن كانوا في محيط الشيخ كان لديهم الإحساس ذاته، أو بالأحرى الملاحظة نفسها، وهي أنّ الشيخ “كان معنا ولم يكنْ معنا” في الوقت نفسه. كان له نوع من الحضور معنا بتمييز. كان يشارك في حياة الدير “مؤسّسيًّا” إن جاز التعبير؛ فكنّا نراه في القدّاس الإلهيّ، وفي الاعتراف، وعلى المائدة، وفي الصلوات، ولا سيّما في السهرانيّات الليليّة. وكان اهتمامه الأساسيّ موجَّهًا إلى الصلاة، والاعتراف، وتعليم الأخويّات الرهبانيّة التي أسَّسها.
أمّا الاعتراف، الذي كان غالبًا ما يستغرق وقتًا طويلًا، فلم يكنْ مجرّد عرض “للخطايا”، بل كان الشيخ، انطلاقًا مـمّا نقوله أو نسأله، يحدّثنا بأسلوب قصصيّ عن حالات قديمة مشابهة لحالاتنا، مستمَدّة من سير قدّيسي الكنيسة والكتاب المقدّس. وكان يوحي لنا بأنّ سقوطاتنا، مع أنّـها ليست بلا أهميّة، ليست هي المركز؛ بل كان يحاول أن يقوّينا ويغرسنا في حياة الكنيسة عمومًا. أن نوجّه أنظارنا نحو شخص المسيح والقدّيسين، وألّا تستبدّ بنا أخطاؤنا أو النماذج السلبيّة القديمة والجديدة.
وقد اختبرتُ شخصيًّا هذا الأسلوب التربويّ المتّزن لدى الشيخ حين صارحتُه، مثلًا، برغبتي في أن أصبح كاهنًا، وكنتُ أتوقّع منه كلمة تشجيع أو حتّى مديح. لكنّه قال لي بجدّيّة: “وماذا لو صارت الأمور كما في روسيّا، كما نسمع ونقرأ عن الاضطهادات والتعذيبات؟”. وبعد زمن طويل أدركتُ أنّ جوابه كان يهدف إلى اختبار ما إذا كانت لديّ دعوة ثابتة وعميقة، أم أنّه مجرّد حماس شبابيّ أو تأثُّر عابر بالبيئة والرفقة.
وفي أحيان أخرى، عندما كان يشغلنا أمر ما ونطلب رأيه، كنّا غالبًا ما نتلقى هذا الجواب: “كما تريد يا ولدي، افعلْ ما تراه مناسبًا”. من الواضح أنّ هذا الأسلوب القائم على “عدم التوجيه” التفصيليّ في كلّ شيء، كان يترك لنا مجالًا للتفكير بأنفسنا، واتّخاذ القرار، وتحمُّل مسؤوليّة أفعالنا. أي إنّه كان يدفعنا إلى النضج عبر الجهاد والتفكير، لا عبر تلقّي الحلول الجاهزة بسهولة. وربّـما يبدو هذا “كما تريد” أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلى البالغين، لكنّه بالنسبة إلى مراهق يبحث عن مرشِد روحيّ، يكشف بوضوح عن قصد الشيخ التربويّ في قيادتنا تدريجيًّا نحو النضج.
ويجب ألّا ننسى أنّنا كنّا في ستينيّات وسبعينيّات القرن العشرين، في مناخ دينيّ تقَويّ كان يتّسم غالبًا بإجابات وقوالب جاهزة لكلّ شيء، باستثناء بعض مظاهر الحياة الروحيّة الأصيلة الموجودة في الأديرة، ولا سيّما في جبل آثوس المقدّس.
إنّ هذه الروح التي تجمع بين التربية القائمة على الحريّة من جهة، والحياة الروحيّة النسكيّة التقليديّة من جهة أخرى، كانت من أكثر ما يميّز الشيخ إميليانوس، خصوصًا بالنظر إلى المرحلة الزمنيّة التي عاش فيها، وقد أثارت إعجاب كلّ مَن عرفه. وكان الشيخ نادرًا جدًّا ما يتحدّث عن نفسه، فكنّا نتساءل: مَن الذي وجّه الشيخ وألهمه هذا الروح الحرّ، وهذه النزعة نحو النسك والرهبنة؟ فالبعض أرجع ذلك إلى أصوله من آسيا الصغرى، وإلى جدّته -المعلمة الحكيمة التي أصبحت لاحقًا الراهبة “أفبراكسيّا”- التي غرست في نفسه لـمّا كان طفلًا عناصر الروحانيّة الأرثوذكسيّة الشرقيّة الأصيلة. وآخرون رأوا في شخص المطران الراحل ديونيسيوس خارالامبوس الملهِم والمسانِد له.
ومهما تكن الحقيقة، فإنّ الشيخ، كما عرفناه وعشناه، كان ثمرة أجيال تقليديّة ونعمة إلهيّة. لقد نما إلى حدّ بعيد كإنسان “عصاميّ” أو بالأحرى “متعلِّم من الله”، وصار بالنسبة إلى جيلنا الخميرة الصالحة التي خمّرت عجين الأجيال اللاحقة في الوسط الكنسيّ. وقد ازدهرتْ روحه وأثمرتْ أوّلًا في ميتيورا – كالامباكا، ثمّ لاحقًا في دير سيمونوبترا في جبل آثوس.
وفي هذا الإطار الشركويّ، كانت تربية الشيخ إميليانوس -القائمة على الحريّة الشخصيّة، والبعيدة عن الطاعة الآليّة غير الشخصيّة، والمستنِدة إلى الحياة الروحيّة التقليديّة والنصوص الآبائيّة والتراث الليتورجيّ والعباديّ للكنيسة- أمرًا يوقظ ويحرّك الجذور العميقة الراسخة في نفوس الكبار والصغار على السواء، إذ كانوا يجدون في شخصه شيئًا أصيلًا وحقيقيًّا. وقد تأثّرتُ كثيرًا حين سمعتُه يقول يومًا: “أنا لا أحاول أن أصنع رهبانًا أو كهنة، بل فقط شخصيّات سويّة، أناسًا طبيعيّين”.
ب) التربية الليتورجيّة
كانت التربية الليتورجيّة عند الشيخ إميليانوس تشمل أوّلًا التعرّف إلى تقليد العهد القديم، من خلال شرح المزامير المستعمَلة أيضًا في عبادتنا الأرثوذكسيّة، أو تفسير النبوءات، أو الإشارة إلى التقليد العباديّ للشعب اليهوديّ، الذي كان يتميّز بكثرة التقدمات والذبائح: ذبائح دمويّة من الحيوانات والمحرقات، وكذلك تقديم البواكير والبخور، وكلّ ذلك بهدف إبقاء الشعب الإسرائيليّ في علاقة دائمة بالإله الحقيقيّ وذكرٍ مستمرّ له.
وكان الشيخ ينقل إلينا، بطريقة استنتاجيّة، روح تلك الذبائح. فمن الذبائح الدمويّة عند العبرانيّين ننتقل إلى ذبيحة المسيح الدمويّة، وإلى السرّ غير الدمويّ الذي سلّمه المسيح لتلاميذه حين أسَّسه في العشاء السرّيّ في العلّية. وكان يقول إنّ لنا نحن أيضًا اليوم إمكانيّة الذبيحة الشخصيّة التي تقوّي علاقتنا بالله؛ أي أن نضحّي بشيء من نومنا، أو راحتنا، أو نشاطاتنا، أو وقتنا، لكي نشارك في عبادة الكنيسة، التي ليست سوى استجابة فرِحة لمحبّة الله وعطاياه لنا.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أيضًا خبراتنا الروحيّة العميقة مع الليتورجيّات القديمة (ليتورجيا القدّيس يعقوب، والإنجيليّ مرقس، والرسل القدّيسين، والرسول بطرس)، التي كان الشيخ يشرحها لنا، وكان أحيانًا يقيم بعضها، لكي يبيّن لنا الروح المشترَكة التي تسود كلّ تقليدنا الليتورجيّ، منذ العصر الرسولّي وحتّى اكتمال الصّيغ الليتورجيّة الحاليّة واستقرارها.
كان يفسِّر ويستمتع بغنى التقليد الليتورجيّ، لكنّه في الوقت نفسه كان يركّز على النواة القديمة للسرّ، ويميّز بين الجوهر والإضافات المفيدة والضروريّة التي أُدخلت عبر العصور. وكان يقول إنّه إذا اضطُرّ الكاهن إلى إقامة القداس الإلهيّ في ظروف خاصّة أو استثنائيّة، فيمكنه أن يكتفي بصلاة “الأنافورا” (صلاة التقدمة) وتقديس القرابين، من دون أن تنقص قوّة النعمة المحوِّلة والمقدِّسة العاملة في المؤمنين وفي القرابين المقدَّمة.
كان كثير من أبناء الشيخ إميليانوس يدرسون في كليّات اللاهوت في أثينا وتسالونيك، لكن تواصلنا الدائم معه كان يهيّئنا ويُدخلنا إلى أعماق اللاهوت بما يتجاوز المعرفة الأكاديميّة الجامعيّة. بل أكثر من ذلك، كان يُدخلنا في جوهر اللاهوت من خلال إحالاته العميقة والمفصّلة إلى العهدَين القديم والجديد، وإلى الينبوع الليتورجيّ الحيّ الذي لا ينضب في كتابات الآباء، مثل “تعليم الرسل”، والقدّيس إغناطيوس المتوشّح بالله، والآباء الكبادوكيّين العظماء، والقدّيس مكسيموس المعترِف، والقدّيس نيقولاوس كاباسيلاس، والقدّيس غريغوريوس بالاماس، والقدّيس سمعان رئيس أساقفة تسالونيك، وحتّى أستاذ الليتورجيّا المحبوب لديه، المرحوم يوحنّا فوندوليس. وأستطيع أن أقول إنّ تعليم جميع آباء الكنيسة الذين اهتمّوا بالتقليد الليتورجيّ عبر العصور كان يتكثّف في كلام الشيخ إميليانوس وحياته.
وأشير هنا إلى التقدير العميق الذي كان يكنّه الأستاذ الراحل للشيخ إميليانوس، والذي ظهر أيضًا من خلال مشاركته الكبيرة في الإصدارات الليتورجيّة المميّزة لدير سيمونوبترا، إذ سخّر معارفه الثمينة لإخراجها بأفضل صورة، بالتعاون مع آباء الدير.
كان الشيخ متمكّنًا من “التيبيكون”، أي القوانين والترتيبات الطقسيّة المتعلّقة بالموضوعات الليتورجيّة والشعائر ذات الصلة، لكنّه كان يتمتّع بحريّة ومرونة تجنّبانه الوقوع في التكلّف أو المبالغات التي تسلّلت أحيانًا إلى “التيبيكون”. وكان يسعى إلى ارتباط تدريجيّ بالتقليد العباديّ الأصيل الحقيقيّ.
ومن خلال عظاته وتحليلاته الروحيّة، كانت تَظهر معرفته العميقة بالنصوص الليتورجيّة: كتاب المعزّي، الميناون، التريودي، وكتاب الإفخولوجيّ. وكان دقيقًا وأمينًا للتقليد، لكن من دون تشدّد مرَضيّ في التفاصيل أو عبادة للحرف.
وكان للشيخ سهولة كبيرة في الحديث عن المواضيع الليتورجيّة والروحيّة؛ فقد كانت هذه ميدانه وفرحه، إذ كان يُدخل سامعيه في سرّ هذه الأمور. وكان يعيش “الحاضر” دائمًا في ارتباط بالتقليد و”بالأمور الأخيرة” (الإسخاتولوجيا). وحتّى عندما كان يُدعى إلى أبرشيّات مختلفة لإلقاء محاضرات، كان يفضّل الحديث في هذه المواضيع.
أمّا الأحاديث اليوميّة الدنيويّة أو قضايا الساعة، فكان يبدو عليه شيء من الحرج والصعوبة فيها. ولذلك كان يصطحب معه في مثل هذه الزيارات أحيانًا الأب سيرابيون، وأحيانًا الأب أثناسيوس المرنِّـم، ليعوّضا هذا الجانب، بينما كان هو يجلس بهدوء ولطف، يراقِب ويشارك بتمييز.
وكانت له أيضًا آراء متوازنة وواضحة حتّى في الأمور الطقسيّة البسيطة. وقد ذكرتُ سابقًا موقفه من صلوات القدّاس الإلهيّ. ومرّة سُئل مثلًا: كيف ينبغي للكاهن أن يحمل الإنجيل أثناء قراءته في الكنيسة؟ وأضاف السائل: “هل يجب أن نرفعه بطريقة تحجب وجهنا، إشارة إلى أنّ المسيح نفسه هو الذي يتكلّم، كما نفعل عادة في الدخول الصغير؟”. فأجاب الشيخ: “في الدخول الصغير، يرمز الإنجيل إلى مسيرة الربّ في العالم، ولذلك من المناسب أن يحمله الكاهن أمام وجهه. أمّا أثناء القراءة، فيجب أن يُحمل بطريقة طبيعيّة مناسبة للقراءة والإلقاء”.
وعمومًا يمكن القول إنّ الشيخ، بصفته كاهنًا محتفِلًا، كان يتمتّع -باعتراف الجميع- بوقار كهنوتيّ، وكانت خدمته الطقسيّة تبعث على الاحترام والخشوع. ومن خلاصة تعاليمه يتّضح بسهولة أنّ القدّاس الإلهيّ يؤثّر في حياتنا كلّها.
وفي هذا السياق، يمكنني أن أستعير صورة القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ، الذي أراد أن يبيّن مقدار منفعة الذهاب إلى الكنيسة للحياة كلّها، فقال: “كما أنّ الإنسان إذا دخل إلى متجر عطور، حتّى لو لم يشترِ شيئًا بل اكتفى بتجربة الروائح، فإنّه يخرج كلّه معطَّرًا، هكذا أيضًا أظنّ أنّ مَن يقترب من حياة الشيخ إميليانوس وعمله، ينال من عبير خبراته وارتقاءاته الروحيّة، ويتذوّق شيئًا من اختباراته”.
الخاتمة
وفي الختام، أودّ أن أذكر شهادة منشورة للأستاذ الراحل في الليتورجيّا، يوحنّا فوندوليس، الذي سأله يومًا متعجّبًا:
“كيف وصلتَ إلى أن تُعتبر رئيس دير شركويّ، ويتبعك هذا العدد الكبير من الشباب، وتصبح أحد مجدِّدي الحياة الرهبانيّة في جبل آثوس؟”. فيقول الأستاذ الراحل بتواضع شديد، بعد أن أطرق رأسه وبقي صامتًا طويلًا: “إنّه الزمن”. ثمّ صمتَ مرة أخرى وأضاف: “الله، عندما تدعو الحاجة، يرسل أشخاصًا، والآخرون يتبعونهم. يأتون من تلقاء أنفسهم، لأنّ الله هو الذي يرسلهم”.
أمّا اليوم فنحن نعلم إلى حدّ كبير أنّ الأمر لم يكن مجرّد “روح العصر”، بل بالعكس، فقد كان المناخ السائد آنذاك سلبيًّا وغير مألوف تجاه التربية الكنسيّة الآبائيّة. لكن ما حدث كان يعود بدرجة كبيرة إلى جهاد الشيخ النسكيّ والصلاة، وإلى تربيته الحرّة، وزراعته الصادقة للنفوس ضمن الحياة الليتورجيّة، واحترامه لخصوصيّة كلّ إنسان يقترب منه.
وأنا أختم كلمتي، أعترف بأنّ كثيرين مـمّن تبعوا الشيخ -سواء كرهبان في الأديرة، أو كهنة، أو متزوّجين يعيشون في العالم وكانوا يتّخذونه أبًا روحيًّا- وأنا شخصيًّا أيضًا، أستطيع بكلّ صدق أن أقول إنّه علّمنا أن نتكلّم وأن نصمت، أن نسير ونتعامل بمحبّة، أن نتواصل بإخلاص، وأن نعرف أيضًا كيف نبتعد بتمييز حين يلزم، أن نصوم بحسب طاقتنا ونأكل باعتدال، أن نجاهد يوميًّا في البحث الروحيّ، أن نختلي في “المخدع” للصلاة، وأن نحبّ ما نحن عليه حقًّا، لا ما نتظاهر به أمام الناس.
فلنصلِّ لكي يتمكّن إنسان عصرنا، بعد نحو نصف قرن من حضور الشيخ إميليانوس الفعّال بالله، ومع ما تتيحه وسائل التواصل الحديثة، من أن يتعرَّف إلى عمقه الروحيّ ولاهوته الأصيل القائم على الخبرة الحيّة، وأن يسير في طريق المسيح والكنيسة بوضوح وأمان.

 

Christian Orthodox Archdiocese of Mount Lebanon

H αναδημοσίευση του παραπάνω άρθρου ή μέρους του επιτρέπεται μόνο αν αναφέρεται ως πηγή το ORTHODOXIANEWSAGENCY.GR με ενεργό σύνδεσμο στην εν λόγω καταχώρηση.

google-news Ακολούθησε το ORTHODOXIANEWSAGENCY.gr στο Google News και μάθε πρώτος όλες τις ειδήσεις.

Διαδώστε:
Ροή Ειδήσεων